الجمعة، 13 أغسطس 2010

قدرنا..؟


دنيا الله خلق الله صنع الله في الارض منهم من صار علي الطريق الذي وضعه الله و منهم من اتبع الشيطان و صار على خطاه ونهجه تلك الدنيا وضعها الله هكذا و خيرنا فيها بين كلا من الطريقين يختار منهما صاحب العقل ما يشاء كلا على حسب ميوله و غرائزه ومنهم على اساس تفكير بعيد عن الميول و الشهوات ..
ان الحديث المستمر و بمعنى افضل التسائل المستمر عن هل الله يفرض علي الانسان مصيره ام ان الانسان هو من يصنع  قراره و يخطط حياته ..فالايمان بالقدر و قضاء الله هو راسخ لا جدال فيه و لكن هل يستطيع الانسان تغير ذلك القدر ؟ هناك حديث عن الرسول صلى الله عليه و سلم يقول ان كثرة الدعاء تغير القدر و منه ممكن ان نستتقي  معنى ان القدر يمكن ان يتغير و هو بنسبة لنا مجرد غيب نستطيع تغيره و التحكم فيه عبر الاخذ بالاسباب الممكنة و هناك راي اخر يري ان كل شئ مقدر مهما حدث او  فالتصميم بحد ذاته على احداث تغير او تحقيق شئ هو بذاته امر مقدر و معلوم بالنسبة للخالق جل شأنه فهو العليم العالم و هذا بالطبع صحيح فما معني هذا اذن ؟ هل نحن ندور في دائرة تفكير مفرغة ام ماذا ؟
ان هذا الرأي الاخير هو بلا شك صحيح و لكن هو يحمل داخله دعوة الى الارتكان الى القدر و انتظاره فحسب و هذا بالطبع ليس صحيح فكثير من الاحاديث و المعاني و الايات التي تدعو الى العمل و الى التعلم المستمرو الانسان لا يعلم الغيب فقد يكون المقدر له هو نفسه الذي يسعى و يكافح من اجله و قد يكون لا..
و من هذا نخلص ان الايمان بكلتا الامرين لا مفر منه لحياه متزنة فوجود ايمان راسخ بالقدر يعود انفسنا على تقبله و الرضى به و عدم التذمر منه مهما كان و في الوقت نفسة ايماننا ان العمل و الجهد قد يحقق ما نصبو الية هو ما يجعل باب الامل دائما مفتوح امامنا لكي نعمل و نحقق ما نصبو اليه فالنتيجة لا تزال بين يدي علام الغيوب و سواء كان ما نريدة مقدرا او يتغير المقدر بامر الخالق نتيجة دعائنا و عملنا فتكون النتيجة واحدة و الهدف المرجو تحقق مهما كان الطريق فذلك من شأن المتعال جل شأنه ..
و يتضح كذلك مدي اهمية ان يكون الغيب غيبا لا نعلمة و لا نعرفة.. فالقدر قد يتغير بامر الخالق دون ان ندري فنحن في مستوي من العلم لا نري الا ما تساعدنا حواسنا  ان نراه اما غير ذلك فهو فوق قدراتنا الصغيرة.. فمعرفة النتيجة قبل وجود السبب- و هو مستحيل بالطبع- يقلب الوضع ولن يؤدي الي وجودها ومن ثم يكون الغيب بوجودة من اهم المعجزات التي تحرك الانسان للعمل و السعي والكفاح ومحاولة كشفة هو قتل للانسان و لقدرته كذلك قتل لفكرة الامل التي بدونها ينفطر الفؤاد..وهذا الي ما قد يحدث للانسان ان كان الغيب مؤلما او مميتا و يكون اخفائة رحمة بنا و بعقولنا  فسبحان الله لو انكشف الغيب لاخترنا بالطبع الواقع تلك هي حكمة الله احكم الحاكمين ..


انسانيون..


في تفكيري الدائم في الاسلام والاديان بصفة عامة اجد دائما الميل اللاارادي الي ايجاد اوجه تقارب و تفاهم بين تلك الاديان فوجود شئ واحد تجتمع عليه اغلب البشر يحرك داخل اي شخص الاحساس بوحدة الهدف و الغاية عند كل بني الانسان و هذا الاحساس بالاتحاد و ذوبان جميع الفروق من اختلاف في اللغة و الشكل و الاصل و الفصيلة هو نابع من شئ ما مزروع داخل كل بني البشر يجعلهم يشعرون ان بني ادم اخوة فعليا..
و ميل البشر الي ايجاد دين و اتباعه و ممارسة شعائره هي غريزة لابد منها تتحرك داخل كل انسان و تدفعه منذ قديم الزمان الى البحث الدؤوب عن الهة يعبده و يقدسه  و يملا الفراغ الروحاني داخلة فإن الانسان قد جبل علي الميل الروحاني الي ما حوله فمن فجر الضمير و الانسان في بحث دائم عما يعبده عما يحبه عما  يخضع له ..                                                                                       
     
 فالدين بشكل عام يكاد يكون هو الصفة الاساسية التي تجمع كل بني البشر و من ثم كان البحث عن دين شامل كامل يجمع كل بني الانسان هو هم دائم  و دؤوب او علي الاقل البحث عن اوجه التقارب و التشابهة بين الاديان التي تنتشر في شتى ارجاء المعمورة...
ان ما يفرقنا كثير كثير حتي اصبح البحث عما يجمعنا و يقربنا شغل شاغل لاغلب المفكرين فتوحيد كلمة البشرية امل لطالما حلم به الناس و سعوا الية علي مدي العصور و الازمان..
إن حوالي ملياري انسان يجمعهم الاسلام مختلفي الاصل و اللون و العادات و اللغة و الجنس و السلالة لا يجمعهم سوي كلمة التوحيد لله و الصلاة على رسوله محمد عليه الصلاة والسلام و كذلك اديان اخري تجمع ما تفرق من شعوب و توحدهم و لكن الاسلام يتفوق عليهم بفريضة وحيدة فريدة اري انها اكثر مشهد يجتمع فيه الناس من كل حدب و صوب من اجل هدف واحد و غاية واحدة هي طلب المغفرة من الخالق و التوبة الية جل جلاله هي بلا شك فريضة الحج و ليس لها اي مثيل فاي دين كان فتدفق المسلمون علي الاراضي المقدسة الطاهر كلهم يرتدون نفس الزي يسيرون جنبا الى جنب فلا فرق بين شرقي او غربي ابيض او اسود كلا هنا واحد كلا هنا مسلم الى الله راجع الية يلبيه ويدعوه..
ان هذا المشهد العظيم فوق جبل الرحمة لكفيل ان يحرك داخل كل انسان روح الاخوة بين كل بني البشر لا فرق بينهم و تلك الصورة تدعونا الى ان نتحد و نتوحد نتكاتف و نعمل لا نفكر في صغائر و ننظر الي البشرية كلها نظرة يملئها إيمان ان البشر ان اجتمعوا و اتحدوا لقادرين على فعل المستحيل و تحقيق كل غاية بعيدة و كل هدف نبيل.


الخميس، 12 أغسطس 2010

عن المجتمع المصري


في نظرة واسعة الي المجتمع المصري المعاصر و خصوصا مجتمع الشباب نجد العديد من الظواهر الغريبة الحديثة التي بالطبع هي انعكاس لواقع عام نعيشه و نشعره فليس الامر بحاجة لعالم اجتماع حتي ندرك هذه التغيرات و التقلبات  التي اصبحت مع مرور الوقت واقع بديهي
فكما ان المجتمع ينقسم طبقات فكذلك الشباب و إن كانت هناك مرحلة عمرية معينة لا يكون لاختلاف الطبقات الاثر الواضح بينهم و لكن لا تلبث ان تطفو من جديد لتفرق و تقسم و بالطبع مع ارتفاع الطبقة زادت الفرص في حياة افضل للشاب و العكس بالعكس و لكن اغلب ما يميز شباب هذا الجيل داخل مصر هو الرغبة في الثراء و جمع اكبر قدر ممكن من المال و ذلك على اختلاف السبل و الغايات منهم من يتزوج من يقيم مشروعا من يضيع تلك الثروة هبائا و هذا لا يعيب الجيل بقدر ما يحرك داخلنا من مشاعر الشفقة علية فتلك الوجهة و النظرة هي صنيعة هذا الزمن زمن المال و الصراع المتكالب علية على مستوى الدول ومن ثم الافراد فدفع ذلك احلام الشباب لتدور حول المال و الجاة و وسائل الحياة المطرفة يعمل كل شاب جاهدا لتوفيرها لنفسة و لاسرته ..
وهناك كذلك قيم المجتمع التي زرعت داخل الافراد عن قيمة الزواج و اهميتة و بالتالي كان البحث الحثيث عن زوجة و توفير الاحتياجات اللازمة لذلك دافع لهم علي العمل البحث عن المال و الكفاح المضني في سبيل الوصول اليه وهذا بالطبع لا يمنع وجود نزوات و انحرافات لابد منها في مجتمع مليئ بالضغوط و المطالب فتكون تلك هي المهرب و المصبر . إن المجتمع هو كل واحد و كل مشكلة فيه ترتبط بلا شك بالاخرى و لكنة اري ان اهم هذه المشكلات جميعا هي مشكلة الشباب في عدم احساسهم بالقيمة و الاحساس الدائم بثمن كل شئ
و ذلك من خلال ما تربي علية هؤلاء الشباب صغارا من فكر مادي بحت يبحث فقط عن العمل و الانتاج و توفير المال بدون ابداء اي اهتمام بالقيم بالمعايير الاخلاقية فسكت كل شئ و تحدث الدولار و الجنية تابعه و ان تمت معالجة تلك المشكلة فهذا سوف يسهم في حل اغلب المشكلات فوجود جيل من الشباب المفكر الواعي بقيم الاشياء و يترسخ داخله ثقافة القيمة لا الثمن هي من اهم الخطوات في سبيل وضع المعادلة الذهبية بين الانتاج و الايمان بالعمل في الوقت نفسه الايمان بمثل غائبة و قيم ان استحضرنها صرنا من اقوي الامم



وقفة


27 عاما من الصمت...27 عاما من الخضوع ...27 عاما من التدهور... 27 عاما من الظلم .تتابعت الاجيال و الحال هو الحال و التغير محال ظهرت اصوات تدعو له تنادي به كصراخات ضائعة في عاصفة عارمة ليست بمسموعة و إن سمعت فلا من مجيب.
27 عاما من السيطرة الكاملة الشاملة على كل الربوع كل انسان تحت السيطرة تحت المراقبة الحريات مكبوتة الصرخات مخنوقة الضياع مستمر و التراجع واقع لا بديل عنه حتى ارتاع الناس و زرع الخوف فوق ضمائرهم حيث لا احد بأمن ولا احد بعيد و اصبح الناس قسميين منهم من تدور به الحياة في دأب مستمر يعمل و يعمل يدرك قوت يومه بالكاد و ينفقه على أستهلاكه لا وقت لديه للتفكير في احواله و اجوال بلاده ومنهم من يدرك احوال البلاد ولكن من داخله مقيد.. قيد ضميره سيطروا علية فهؤلاء لا يجدوا في الحياة الا التفكير و تراكم التفكير فوق الهم و الهم فوق التفكير و اما من نادوا بالتغيرفأما بلا مجيب و إما فرضت الطوارئ فكممت الافواه و قطعت الألسن..
إن قانون الطوارئ لا يفرض الا من قبل رئيس الجمهورية ولا يمد العمل به الا من بموافقة مجلس الشعب (148 من الدستور) وإن تتبعنا معا تاريخ الطوارئ في غير هذا العهد نجد انها قد فرضت لإجل حالة ايستنائية تمر بها البلاد فوجب فرضها حتى زوال تلك الحالة فترفع الطوارئ و تعود الحياة الى طبيعتها ففرضت خلال الاحتلال الانجليزي زمن الحرب العالمية الاولى 1914-1922 و كذلك في الحرب العالمية الثانية 1931-17 اكتوبر 1945 وكذلك عام 1948 في حرب فلسطين حتى 1950 ووقت حريق القاهرة و عقب ثورة يوليو حتى 1956 و لكن سرعان ما فرضت مرة اخرى في العدوان الثلاثى و عقب اعلان الوحدة بين مصر و سوريا عام 1958 الى عام 1964 و في اعقاب حرب يونيو 67 الى عام 1980 و توقف القانون من حينها إلا انه عاد من جديد في 6 أكتوبر 1981 عند اغتيال السادات ففي كل تلك الاحداث من تاريخ العالم و مصر كان لابد من الطوارئ للسيطرة على البلاد في اوقات الحروب و الأضطرابات و لم يفرض هذا القانون اعتباطا او لمصالح اخرى محددة و لكن نجد بعد الاستقرار الذي عاد للبلاد تفرض الطوارئ مرةاخرى و يستمر تمديدها و الموافقة عليها من قبل مجلس الشعب الذي يمثل الحكومة بالطبع فقد مد سنة بعد اغتيال السادات ثم من سنة 83 الى 84 و منها الى 86 و منها الى 88 ثم الى 91 الى 94 و هكذا الدائرة تدور و نحن داخلها بلا وجود لأي سبب مقنع وإن كانت حجج الحكومة دائما حاضرة فيجب فرضه للحفاظ على الامن و الامان و منع الارهاب و قد تأكد ان كل ذلك محض هراء .
إن الطوارئ لم تمنع ان تطل يد الارهاب البلاد في شرم الشيخ و الغردقة و دهب و القاهرة فلا الامن ولا الامان ولا الارهاب سببا لفرض هذا القانون بل ان هناك سبب اخر او اسباب اخرى بالطبع فالحكومات اصبحت لا تستطيع الاستمرار إلا بهذا القانون و إن كان برنامج الحكومة يدعو الى استمرار الطوارئ حتى صدور قانون مكافحة الارهاب فالمتوقع ان يكون نسخة منه مع تغير المسمى فقط و حتى خروج ذلك القانون سيتم تمديد العمل بقانون الطوارئ مرة بعد مرة..
إن الأعتراض ليس على القانون بحد ذاتة و لكن الاعتراض على استمراره كل هذة الفترة التي وصلت ال 28 عاما و ستطول الى "30 عاما"- "في حالة استثنائية لمواجهة الارهاب"-و هذا اصلا لم يحدث اما العجيب هو ما نسمعه من الحكومة وهي تصف و تمدح المناخ الاقتصادي و الاستثماري و الاجتماعي و الامن و الامان الذي يملأ البلاد بالخير و الرفاهية ..فلما كان كل شئ على ما يرام لما ذلك القانون ؟ و  التناقض واضح بين ما تعلنه الحكومة لفرض القانون وما تعلنه لجلب المستثمريين !
قانون الطوارئ له اثارة السيئة علي كل المجالات داخل البلاد فتدهورت الاحوال الامنية حيث ان استمرار العمل بالقانون ثضعف من كفاءة النظام الامني داخل البلاد فيسهل على الامن مأمورية الأشتباه و القبض و الحبس دون اي مجهود يذكر في التحري و الاستدلال و جمع البراهين و توظيفها من اجل القبض علي المتهميين و هذا ما يجب ان يحدث في الاوقات العادية و الظروف الطبيعية.
 و هذا القصور الامني ترتب عليه ضغف الحالة الامنية و يدلل على ذلك المعالجة السيئة لعديد من الظروف من احداث طابا و شرم الشيخ و المعتصمون السودانيون في ميدان مصطفي محمود و كذلك منع المظاهرات المؤيدة لوقف القضاة و كذلك اتباع الامن للامور الطبيعية في التحقيقات من استبيان و استدلال و تحقيق يرسخ داخله احترام السلطة له و لكينونته و لحقوقة المختلفة كمواطن حر وينعكس ذلك على الحالة المعنوية له و من ثم على المجتمع ككل .
وتدهورت الاحوال السياسية ففرضت القيود علي حرية التعبير و التفكير و النشر و التجمع و التظاهر فأدى ذلك الى اضعاف الحياة السياسية و الحزبية و ذلك مع وجود 20 حزبا داخل البلاد إلا انها مقيدة و ممنوعة في بعض الاحيان وكل هذا ادى الى تراجع التفكير الانتخابى و تراجع مشاركة الافراد في الحياة السياسية خوفا من بطش يد القانون و اصبحت السلطة في يد ابناء الحكومة الابرار!..
و هناك التراجع الاقتصادي فوجود مثل هذا القانون يجعل المستثمر و الزائر يفكر مليا قبل المجئ حيث وجود قانون كهذا يعبر عن ضعف السيطرة الامنية و اضطراب الاحوال مما يقلص من اموال الاستثمار الاجنبى و يدفع ابناء الوطن الى العمل خارج البلاد و بذلك تخسر مصر قوى عاملة محركة للاقتصاد و ذلك ينعكس على القدرة الانتاجية و الاقتصادية للبلاد .
 و قد ترتب عل فرض قانون الطوارئ ظهور محاكم امن الدولة و محاكم امن الدولة طوارئ و لهذة المحاكم معايير مختلفة عن القضاء العادي وذلك فيما يتعلق بالخلط بين جهة التحقيق و الاتهام و مراقبة تنفيذ القانون و الطعن في احكامها مما يمنع تحقيق العدل داخل البلاد.
واستمرار هذا القانون كل هذه المدة ادى الى بث روح الخضوع و التراجع وعدم الاكتراس بالحياة السياسية و الشأن العام و محاولة استئصال الذات من جسد المجتمع و اقناع النفس ان عدم المشاركة و التزام الصمت بل في بعض الاحيان النفاق و الرياء من اجل حياة افضل او التماس الامان فحسب !
إن ما يجب على الحكومة هو رفع هذا القانون و منعة لما له من كل هذه الاثار و المخاطر وإن كانت الحكومة ترضى و تعيش به فعلى كل مصري ان يدافع عن حقة في التغيير و الانتخاب و في حياة كريمة وسط مناخ يحترم الانسان و يقدر حقوقه و يعلي حق الشعب في الحرية و الامان فوق كل اعتبار ..
إن الفرنسيين لم يسمحوا باستمرار القانون اكثرمن 12 يوما رفضوها و فرضوا ذلك على حكومتهم فيجب التحرك و الرفض بكل الطرق ولا نترك انفسنا تهون لينا فنهون على الاخريين و ان نستبدل قيما سائدة خاطئة باخري صحيحة  تعلي من قيمة الانسان و تعزز حقه في حياة هانئة آمنة يصنع فيها قراره .


الجمعة، 7 مايو 2010

الحق في المحاكمة العادلة والمنصفة

العدل هو أسمى الحقوق التي تسعى البشرية إلى تحقيقها، ولقد ناضلت كافة الشعوب وما زالت في سبيل تحقيق هذا الهدف السامي من أجل أن تتحقق لكافة الأفراد المساواة التامة في إقامته، وعليه فقد كفل الدستور المصري من خلال نص مادته الثامنة والستين للمواطن المصري الحق في أن يحاكم أمام قاضيه الطبيعي وحظرت في ذات الوقت تحصين أي أعمال أو قرارات إدارية من رقابة القضاء.
وفي ذات السياق تناولت المواثيق الدولية حق الفرد في المحاكمة أمام محكة مستقلة نزيهة، وأن تكون قضاياه محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة منشأة بحكم القانون( ).
هذا وقد شهدت البنية التشريعية ـ مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي ـ العديد من التشريعات الاستثنائية في ظروف مختلفة تعدد بموجبها ـ التشريعات ـ جهات الاختصاص بالفصل في المسألة الواحدة وتضمنت خروجا على القواعد العامة سواء في المسألة الجنائية أو السياسة القضائية.
وعليه فقد تم إنشاء العديد من المحاكم الخاصة؛ الأمر الذي يؤدي إلى اهتزاز مفهوم العدالة والإخلال بميزان العدل بين الناس وإهدار حقهم في اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي.
ولعل من أهم المحاكم الاستثنائية التي شهدتها البنية التشريعية في مصر.



ولعله من المهم أن نلقي الضوء على أبرز تلك المحاكم في صورة موجزة وسريعة دون الخوض في غمار تفاصيلها.
1 - محكمة القيم:
أنشئت تلك المحكمة بالقانون رقم 95 لسنة 1980 بشأن حماية القيم من العيب، وتمثل هذه المحكمة انتهاكا لمبدأ استقلال القضاء؛ حيث تشكل من شخصيات قضائية وشخصيات عامة غير قضائية، وهي شخصيات لا تتمتع بحصانة القضاء ولا استقلاليته (م 27 من القانون)
2 - المدعي العام الاشتراكي:
المدعي العام الاشتراكي هو في حقيقته موظف عام يتبع السلطتين التشريعية والتنفيذية، وله بموجب ذلك اختصاصات إدارية سياسية، وعليه فإن المدعي العام الاشتراكي ليس من أفراد السلطة القضائية، إلا أنه قد خولت له صلاحيات وسلطات اغتصب بها اختصاصات السلطة القضائية على الرغم من تبعيته الواضحة للسلطة التنفيذية، فقد سلب المدعي العام الاشتراكي اختصاصات النيابة العامة (بوصفها فرعا أصيلا من السلطة القضائية) في التحقيق والاتهام والادعاء. ففرض الحراسة لا بد أن يدور في فلك ارتكاب جريمة جنائية الذي هو صميم اختصاص النيابة العامة من تحقيق وادعاء والقضاء الجنائي رقابة وحكما.
3 - محكمة أمن الدولة العليا طوارئ:
وهي المحكمة التي أنشئت بموجب القانون 162 لسنة 1958م بشأن حالة الطوارئ، ولعل أهم ما يؤخذ على هذه المحكمة هي افتقادها لضمانة مهمة من ضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة، وهذه الضمانة هي الحق في الطعن على أحكامها أمام محكمة أعلى, وكذلك ضرورة تصديق رئيس الجمهورية على أحكامها لصيرورته نهائيا قابل للتنفيذ بالمخالفة للعديد من المبادئ القضائية.
4 - المحاكم العسكرية:
وتعد المحاكم العسكرية أقوى صورة من صور انتهاك الحق في المحاكمة العادلة والمنصفة؛ فهي لا تختص بمحاكمة العسكريين فقط أو الجرائم العسكرية، بل امتد سلطان اختصاصها ليشمل المدنيين المرتكبين لبعض الجرائم الواردة بالباب الأول من الكتاب الثاني من قانون العقوبات.
كذلك حرمان المحاكمين أمامها من الطعن على الأحكام الصادرة في شأنهم أمام محكمة أعلى.
وتتابع المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وضعية الحق في المحاكمة العادلة والمنصفة وما يرتبط بذلك من انتهاكات، وفي مقدمتها استمرار المحاكمات الاستثنائية, وقد رصدت المنظمة خلال عام 2003 إحالة (4) قضايا أمام محكمة أمن الدولة "طوارئ"، وتحقيق نيابة أمن الدولة في (29) قضية وإحالة 43 مدنيا للتحقيق أمام النيابة العسكرية، ويمكن بيان هذه الحالات على النحو التالي:
أولاً ـ المحاكمات العسكرية:
تؤكد المنظمة المصرية أن حق المواطن في المحاكمة العادلة أمام القاضي الطبيعي هو أحد أهم الحقوق التي ضمنتها المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وبرغم ذلك فلا يزال هذا الحق الأساسي عرضة للانتهاك بين الحين والآخر من جانب السلطة التنفيذية التي دأبت على أن تعمد إلى ضباط من القوات المسلحة بمحاكمة المواطنين المدنيين بتهم جنائية مؤثمة بقانون العقوبات وغيره من القوانين العادية، مستندة في ذلك إلى نص المادة السادسة من القانون رقم 25 لسنة 1966م بشأن الأحكام العسكرية، وهو قانون سابق على صدور الدستور ومخالف لأحكامه، حيث نصت تلك المادة المعدلة بالقرار بقانون رقم 5 لسنة 1970 علي أن "تسري أحكام هذا القانون على الجرائم المنصوص عليها في البابين الأول والثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات وما يرتبط بها من جرائم والتي تحال إلى القضاء العسكري بقرار من رئيس الجمهورية". ولرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يحيل إلى القضاء العسكري أيًا من الجرائم التي يعاقب عليها قانون العقوبات أو أي قانون آخر". وفي واقع الأمر إن هذا النص ينطوي على إخلال صارخ بأحكام الدستور والمواثيق الدولية؛ حيث إنه حرم المواطن من حقه في أن يحاكم أمام قاضيه الطبيعي، فضلاً عن إخلاله بقاعدة المساواة أمام القضاء، وفرض عليه المثول أمام "محكمة عسكرية" لا تتوفر فيمن يجلسون فيها أي من مواصفات أو ضمانات القاضي الطبيعي, بل إنها لا تعدو إلا أن تكون مجلسًا عسكريًا لا يمت إلى القضاء بأي صلة.
وتدين المنظمة المصرية المحاكمات العسكرية للأسباب التالية:
1. أنها محاكم غير مستقلة بحكم طبيعة تشكليها من ضباط القوات المسلحة، وبوصفها جزءًا من الإدارة العامة؛ ققضاء العسكري إحدى إدارات القيادة للقوات المسلحة، كما أن قضاتها يعنيون لمدة سنتين قابلة للتجديد بقرار من وزير الدفاع، وهو ما يتعارض مع مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل.
2. عدم خضوع الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية لإشراف محكمة عليا تراقب سلامة تطبيقها للقانون، حيث تخضع هذه الأحكام لسلطة التصديق من رئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة أو من يفوضه من ضباط القوات المسلحة.
3. تهدر هذه المحاكم العديد من الضمانات اللازمة للمحاكمة العادلة، مثل إهدار حق المتهمين في إعداد دفاعهم وحرمانهم من الاستعانة بمحاميهم الموكلين، وإهدار حق الدفاع في الإطلاع على ملفات القضايا ومقابلة موكله على انفراد، وعدم الاعتداد بتعرض المتهمين للتعذيب.
قضية جند الله:
شهد عام 2003 إحالة 43 مدنيا إلى النيابة العسكرية في القضية رقم 2 لسنة 2003 جنايات عسكرية المعروفة باسم خلية "جند الله"( )والتي ينتمي أعضاؤها لتنظيم الجهاد المصري الذي يقوده أيمن الظواهري. وقد ألقي القبض على المتهمين بتاريخ 22/10/2002 بتهمة التخطيط لعمليات ضد السفارتين الأمريكية والإسرائيلية في القاهرة، واستهداف منشآت حيوية بهدف الإخلال بالأمن، وإعداد كميات كبيرة من مادة "تي. ان. تي" شديدة الانفجار لاستخدامها في عمليات التخريب، وذلك بعد فشلهم في اختراق الحدود إلى إسرائيل للمشاركة مع المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي.
ويذكر أن آخر قضيتين نظرتهما المحاكم العسكرية هما:
1- القضية رقم 34 لسنة 2001م المعروفة باسم "تنظيم الوعد"، وصدر الحكم فيها بتاريخ 9/9/2002، والتي ضمت 94 متهمًا من بينهم 6 متهمين صدرت أحكام غيابية بحقهم، حيث قضت المحكمة بسجن وحبس 51 متهمًا، في حين برأت 43 آخرين. وقد تراوحت الأحكام بين 15 عامًا أشغال شاقة لـ 3 متهمين، و7 سنوات أشغال شاقة لـ 3 آخرين، والسجن 5 سنوات لـ 13 متهما، والحبس 3 سنوات لـ 24 متهمًا، وسنتين لاثنين من المتهمين. هذا في حين أصدرت المحكمة أحكاما غيابية بالأشغال الشاقة لمدة 3 سنوات بحق 6 متهمين.
2- القضية رقم 29 لسنة 2001 المعروفة باسم "تنظيم الاساتذة" وصدر الحكم فيها بتاريخ 30/7/2002، والمتهم فيها 22 متهما من المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانونًا، حيث قضت بالحبس لمدة 5 سنوات بحق 5 متهمين والحبس لمدة 3 سنوات بحق 11 متهمًا، في حين تم تبرئة 6 من الاتهامات التي وجهت إليهم.
ثانياً ـ محاكم أمن الدولة العليا طوارئ:
كما سبق أن أسلفنا أن القانون رقم 95 لسنة 2003م لم ولن يؤثر على وضعية محاكم أمن الدولة العليا طوارئ, وقد رصدت المنظمة عدة قضايا تم نظرها أمام محاكم أمن الدولة طوارئ هي:
1- قضية حزب التحرير
وهي القضية رقم 454 لسنة 2002م حصر أمن دولة عليا والمتهم فيها 26 متهما من بينهم 3 بريطانيين وواحد هارب.
وقد تم إلقاء القبض عليهم ما بين نهاية شهر مارس وأول إبريل 2002م ثم إحالتهم لمحكمة جنايات القاهرة دائرة أمن الدولة طوارئ بتاريخ 4/8/2002، وقد وجهت لهم الاتهامات الآتية:
- الترويج بالقول والكتابة لأغراض جماعية أسست على خلاف القانون تسمى حزب التحرير.
- الدعوة إلى تعطيل إعمال الدستور ومنع مؤسسات الدولة من تأدية أعمالها.
- الدعوة إلى تكفير نظام الحكم وإباحة الخروج عليه لإسقاطه.
- السعى لإقامة ما يسمى بنظام الخلافة الإسلامية.
وقد تم حجز الدعوى للحكم بتاريخ 25/12/2003، إلا أن المحكمة قد أجلت النطق بالحكم لجلسة 25/3/2004م لتصل فترة التحقيق والمحاكمة لعامين كاملين، والمتهمين رهن الحبس الاحتياطي.

أسماء المتهمين في قضية حزب التحرير المحجوزة للحكم بجلسة 25/3/2004م


يذكر أن السلطات المصرية قررت حظر حزب التحرير الإسلامي عام 1974 إثر وقوع ما يعرف باسم أحداث الكلية العسكرية. وكان الحزب قد تأسس في الأردن في الخمسينيات, وترسخ في أوزبكستان وخصوصا في وادي فرغانا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ثم انتشر في طاجيكستان عام 1998. ويدعو حزب التحرير إلى إقامة دولة إسلامية في آسيا الوسطى، ويضم في صفوفه آلاف العناصر، ويعتبر من الحركات الإسلامية السرية الأكثر نشاطا في هذه المنطقة.
2- قضية تنظيم المطرية (القرآنين): أصدرت محكمة جنح المطرية أمن الدولة "طوارئ" بتاريخ 5/3/2002 حكمها في القضية رقم 6050 لسنة 2001م المعروفة باسم "القرآنين" أو "تنظيم المطرية" بمعاقبة المتهمين الأول والثانى وهما "أمين يوسف علي حسان"، و"علي المندوه عبد المولى" بالحبس لمدة 3 سنوات وباقى المتهمين سنة مع إيقاف التنفيذ. وكانت نيابة أمن الدولة قد قدمت 8 متهمين بينهم سيدة زوجة المتهم الأول طبقا لنص المادة (98 و) من قانون العقوبات بتهمة ازدراء الدين الإسلامي واستغلاله للترويج لأفكار متطرفة, وقد صادق الحاكم العسكري على الحكم بالنسبة للمتهمان الأول والثاني وإعادة محاكمة باقي المتهمين الستة أمام دائرة أخرى. وبتاريخ 1/2/2003م أصدرت محكمة جنح أمن الدولة "طوارئ" بهيئة مغايرة حكمها على المتهمين الستة بالحبس لمدة 6 أشهر مع الشغل والنفاذ.
3- قضية مدعي النبوة (سيد طلبة): كانت نيابة أمن الدولة قد أحالت 21 متهمًا لمحكمة جنح مدينة نصر أمن دولة طوارئ, بتهمة ازدارء الدين الإسلامي، وقد أصدرت المحكمة حكمها بمعاقبة المتهم الأول ويدعى "سيد طلبة" بالحبس مدة 3 سنوات، والمتهمة السادسة بالحبس لمدة 3 سنوات وباقي المتهمين بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ. وقد صادق الحاكم العسكري على الحكم بالنسبة للمتهم الأول وإعادة محاكمة باقي المتهمين أمام دائرة مغايرة, وقد تم إعادة محاكمتهم بتاريخ 17/12/2003( ). وقد تابعت المنظمة المصرية القضية ودفعت بما أكد عليه الدستور من حرية الفكر والاعتقاد وكذلك ما نصت عليه المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
4- الاشتراكيون الثوريون بتاريخ 6/12/2003 بدأت أول جلسات محاكمة المهندس "أشرف إبراهيم محمد" المتهم هو وأربعة آخرون ـ هاربون ـ بالانضمام وتأسيس ما يسمى بتنظيم "الاشتراكيين الثوريين" في القضية رقم 128 لسنة 2003م جنايات أمن دولة طوارئ وقد وجهت لهم نيابة أمن الدولة الاتهامات الآتية.
أولاً : المتهمون من الأول حتى الثالث.
تولوا قيادة جماعة أسست على خلاف أحكام القانون الغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور، ومنع مؤسسات الدولة من ممارسة أعمالها، وإسقاط الحكم وإقامة نظام آخر، كما وجهت للمتهم الأول أيضا تهمة حيازة مطبوعات تتضمن ترويجا وتحبيذا لأغراض الجماعة، وبصفته مصري الجنسية أذاع عمدا في الخارج أخبار كاذبة عن الأوضاع الداخلية بالبلاد من شأنها إضعاف هيبة الدولة واعتبارها بأن تعمد إرسال معلومات كاذبة إلى منظمات أجنبية لحقوق الإنسان على خلاف الحقيقة تتضمن انتهاك حقوق الإنسان بالبلاد، وكان من شأن ذلك إضعاف هيبة الدولة واعتبارها( ).
ثالثاً ـ نيابة أمن الدولة: - قامت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان خلال عام 2003م برصد 29 قضية يتم التحقيق فيها على مدار عام كامل دون إحالة أي متهم إلى المحاكمة، وقد تضمنت تلك القضايا التحقيق مع ما يقرب من 238 متهما ثم توزيعهم على 29 قضية على النحو التالي:



وفي ضوء ما سبق، تطالب المنظمة المصرية بـ:
ضرورة إنهاء إعلان حالة الطوارئ والذي بموجبه سيتم إنهاء عمل محاكم أمن الدولة طوارئ التي تتشكل بأمر من رئيس الجمهورية ووفقا لإعلان الأحكام العرفية في القانون 162 لسنة 1958م وتعديلاته ـ باعتبارها محاكم استثنائية، من حيث أنه لا يجوز الطعن على أحكامها بأي طريق إلا أن يكون لرئيس الجمهورية الحق في إلغاء الأحكام الصادرة منها وإعادة محاكمة المتهمين، وحقه أيضا في إلغاء العقوبة، وعدم اعتبار أحكامها نهائية إلا بعد التصديق عليها منه!! وعليه فأنه يعود الحال إلى القضاء الطبيعي إى إلى ما قبل إعلان حالة الطوارئ التي انشأة قضاءاً استثنائياً لا حاجة إليه ولا يعبر إلا عن المساس بنظام القاضي الطبيعي الذي كفل له الدستور الاستقلالية، كما كفل للمواطن حق المحاكمة أمام القاضي الطبيعي، ويجب أن يتمتع المواطن بكامل حقوقه القانونية في التدرج أمام المحاكم، والطعن على الأحكام بمقتضى القانون.

يتضح مما سبق أن هناك فروقا شاسعة بين محاكم أمن الدولة الدائمه الملغاة ومحاكم أمن الدولة العليا طوارئ الباقية متسلطة على رقاب الشعب، وأهم هذه الفروق قاطبة أن الوزراء والمحافظين والمسئولين البارزين من أعوان النظام الذين يقدم ضدهم الاتهام أحيانا لظروف متفاوتة بالاختلاس أو الاستيلاء على المال العام أو أصحاب القروض الفارين يحاكمون أمام محاكم أمن الدولة العليا العادية فيتمكنون من الطعن على الأحكام والذهاب بقضاياهم إلى محكمة النقض، أما المواطنون وأعضاء التيار الإسلامي فيحاكمون أمام محاكم أمن الدولة العليا طوارئ فلا يتمكنون من الطعن على الأحكام الصادرة ضدهم, ولو صدرت أحكام بالبراءة أحيانا فإنها تلغى وتعاد محاكمتهم أمام دائرة أخرى بناء على أمر الحاكم العسكري.

فإذا كانت الحكومة قد ألغت محاكم أمن الدولة العليا، فإنها تركت قانون الطوارئ الذي بمقتضاه تتم إحالة المدنيين إلى محاكم أمن الدولة "طوارئ" ومحاكم عسكرية بعيداً عن قاضيهم الطبيعي، بالإضافة إلى الأوامر العسكرية التي تتيح محاكمة المدنيين أمام محاكم أمن الدولة والمحاكم العسكرية.

الثلاثاء، 4 مايو 2010

في ظل إدمان الطوارئ ...

ليس مفاجئاً تمديد الطوارئ في مصر لمدة عامين جديدين، لأن «الطوارئ» التي استمرت 27 عاماً أصبحت جزءاً من النمط العادي لسلوك السلطة في مواجهة المجتمع، وهو ما يذكرنا بمشهد نجيب الريحاني الذي قرأ فيه كف أحد الأشخاص، وقال له بعد أن فحص كفه جيداً إن أمامه عشر سنوات من الغم والنكد، فسأله صاحبنا بلهفة: وماذا بعد ذلك؟ فكان رد الريحاني عليه أنه بعد السنوات العشر سيكون قد اعتاد الغم وتعايش معه، وإذا لا حظت أن مدة العمل بالطوارئ بعد التمديد ستصبح ثلاثة أضعاف المدة التي تحدث عنها الريحاني في المشهد الكوميدي الشهير، فإن ذلك سيطمئنك إلي أن الطوارئ لن تزول بعد سنتين، من ناحية لأن الناس سيكونون قد اعتادوا عليها، ومن ناحية ثانية لأن السلطة ستكون قد ادمنتها، ولم تعد قادرة علي الاستمرار بدونها.

قبل أيام قليلة قلت في هذا المكان إن إصدار قانون الإرهاب سيعني أكثر من تغيير الاسم مع الإبقاء علي المضمون، كما هو، ولكنه سيعني أيضاً تأبيد الطوارئ وتحويلها من وضع قانوني استثنائي إلي وضع قانوني طبيعي ممتد إلي ما شاء الله، لكني لم أتوقع أن يقول رئيس الوزراء في دعوته إلي تمديد الطوارئ إن إلغاء العمل بها الآن «تنفيذاً لوعد الرئيس مبارك» قبل الانتهاء من إعداد مشروع قانون الإرهاب من شأنه أن يفتح الباب لوقوع حوادث إرهابية، ذلك أن الحكومة التي تحذر من الحوادث الإرهابية هي التي دأبت علي القول إن البلد مستقر للغاية وإن الطقس السياسي فيه ربيع وجو الاستثمار الأجنبي بديع، ولا داعي للقلق وإثارة أي مواضيع، وهي تخاطب الأجانب بلغة الجذب والاطمئنان، في حين تخاطب المجتمع بلغة التخويف والترويع.

لم يصدق أحد الدكتور نظيف سواء في تخويفه من الإرهاب أو في حديثه عن أن قانون الطوارئ لن يمس الحريات العامة في البلد، ولست أشك في أنه يعلم جيداً أن الطوارئ لم تحل دون وقوع العمليات الإرهابية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كما أنه يعلم جيداً أن قوانين الطوارئ لم تطبق إلا علي المعارضين السياسيين، بل لم تحاول الأجهزة الأمنية أن تقنع المجتمع بأن الطوارئ طبقت علي الذين نهبوا أموال البلد واستولوا علي أراضيه، وتاجروا في السوق السوداء، وسمموا أهاليه، ذلك أن كل هؤلاء عوملوا بمنتهي الرفق والتسامح، وبعضهم جري التصالح معه بعد إجراء التسوية المالية معهم، بل إن صاحب العبّارة الشهيرة التي قتلت 1300 مصري اعتبرت قضيته جنحة وليست جناية، ولاتزال منظورة أمام القضاء المدني، في حين أن المعارضين السياسيين قدموا إلي المحاكم العسكرية واعتبرت معارضتهم جنايات استوجبت إصدار أحكام قاسية بحقهم فضلاً عن مصادرة أموالهم وتشريد أسرهم.

إن استمرار العمل بقوانين الطوارئ لثلاثة عقود تقريباً، ثم إجراء تعديلات دستورية تعزز من إجراءات الطوارئ وتقدم إجراءات أجهزة الأمن علي حكم القانون وتوسع من اختصاصات المحاكم الاستثنائية، ثم استصدار قانون للإرهاب يضمن استمرار الطوارئ، هذه الشواهد تدل علي أمرين، أولهما أن اللعب بالقانون وتطويعه لخدمة السياسة الأمنية وتغطية إجراءاتها القمعية والاستثنائية أصبح إجراء ميسوراً، في ظل الأغلبية التي يتمتع بها الحزب الحاكم في مجلس الشعب، و«التجاوب» الشديد الذي تبديه رئاسة المجلس مع رغبات الحكومة ونزواتها، بحيث أصبح المجلس في هذه الحالة بمثابة الجناح التشريعي لوزارة الداخلية.

الأمر الثاني والأهم أن المشكلة لم تعد في القوانين التي تسعي لتقييد الحريات وقمع المعارضين، وإنما تكمن في موقف النظام من قضية الحرية وإصراره علي إجهاض أي أمل في الإصلاح السياسي، لذلك فإنني أزعم أن المعركة الحقيقية للجماعة الوطنية المصرية ليست ضد قانون الطوارئ أو الإرهاب فقط، ولكنها أكبر من ذلك وأبعد، لأنها أيضاً وبالدرجة الأولي ضد موقف النظام من الحريات العامة التي هي ضحية أمثال تلك القوانين.

مصر بين رسائل الإحباط وإرهاصات الأمل


في حين تحفل نشرة أخبار مصر بإحباطات تجعل الحليم مرتاعا وحيران، فإن المرء لم يعد يجد للأمل أثرا إلا على رصيف مبنى مجلس الشعب.
(1)
لقيت زيارة السيد أحمد أبو الغيط وزير خارجية مصر لبيروت في 24/4 اهتماما غير عادي على الصعيدين السياسي والإعلامي. ليس فقط لأن مصر غابت عن لبنان خلال السنوات الأخيرة. ولكن أيضا لأن الرجل حمل معه رسالة تضامنية دافئة. وقال كلاما لم تعد تألفه الآذان من «الشقيقة الكبرى». ذلك أنه أعلن وقوف مصر إلى جانب سوريا ولبنان إذا ما تعرضتا للعدوان، قائلا إنها في هذه الحالة «لن تقف متفرجة»، ثم إنه حين سئل عما إذا كان يحمل رسالة إلى لبنان من إسرائيل (بعد افتعالها أزمة إرسال سوريا صواريخ سكود إلى حزب الله)، رد قائلا إنه لا ينقل رسائل تحذير إلى دولة عربية شقيقة من دولة العدو، وهو ما أدهش المراقبين وأثار انتباههم، حتى ذكرت وكالات الأنباء أن أبو الغيط استخدم لغة غائبة منذ زمن عن خطاب السياسة الخارجية المصرية.
وعبرت الصحف اللبنانية عن الدهشة بأساليب مختلفة، فقالت صحيفة «الأخبار» إن اللغة التي تحدث بها الرجل كانت «مفاجئة». وكانت صحيفة «السفير» أكثر تفاؤلا ورجحت أن يكون الدافع إلى الزيارة أن مصر تريد معاودة التحرك في المنطقة العربية في مواكبة لحركة المبعوث الأميركي جورج ميتشل. وذهب آخرون في القاهرة إلى أن مصر أرادت أن تسجل موقفا تخفف به من أثر برقية التهنئة التي كان قد بعث بها الرئيس مبارك إلى بيريز قبل أيام قليلة هنأه فيها بذكرى اغتصاب فلسطين.

في مواجهة هذه الآمال التي انتعشت بدا أن إسرائيل أكثر إدراكا لطبيعة وحدود المهمة. لذلك فإنها لم تلق بالا للزيارة وتوقفت عند كلمة واحدة جاءت على لسان السيد أبو الغيط، تلك التي وصف فيها إسرائيل بأنها دولة «عدو». إذ ما إن تناقلت وكالات الأنباء كلامه حتى سارع السفير الإسرائيلي في القاهرة إلى تقديم احتجاج رسمي إلى الخارجية المصرية التي لم تقصر في التصويب وإزالة الالتباس. إذ قيل له إن الوزير كان يشير إلى لبنان الذي لا يزال يعتبر إسرائيل عدوا لأنه لم يوقع اتفاق سلام معها. وفي وقت لاحق قالت مصادر الخارجية الإسرائيلية إنها قبلت ذلك الإيضاح الذي أكده السفير المصري في تل أبيب.

من المفارقات أن صحيفة «يسرائيل هيوم» في تعليقها على كلام السيد أبو الغيط ذكرت (في 26/4) أن المسؤولين الإسرائيليين أعربوا عن أملهم في ألا يتبنى وزير الخارجية المصري ذات المواقف «المعادية» التي بات يطلقها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. وجاءت الإيضاحات لتثبت أن القاهرة مازالت عند حسن ظن الإسرائيليين، وأن كلام الصحف اللبنانية عن اللغة المصرية الجديدة وعن معاودة تحرك القاهرة في العالم العربي حمل الزيارة بأكثر مما تحتمل، وعبر عن مصر التي يتمنونها بأكثر مما قرأ حقائق سياستها المتبعة على الأرض.

(2)
لم تكد فرقعة تصريحات أبو الغيط تهدأ حتى توالت الأخبار حاملة في طياتها المزيد من عناصر الإحباط والحيرة. وكان على رأسها خبر زيارة بنيامين نتنياهو لمصر التي تمت أمس (الاثنين)، وأثارت الدهشة في شكلها ومضمونها. إذ تمت في ظل إصرار الرجل على تهديد سوريا ومواصلة الاستيطان واندفاع حكومته في تهويد القدس والاستيلاء على بيوت الفلسطينيين واقتحام المسجد الأقصى وضم المعالم الإسلامية إلى الآثار اليهودية، إضافة إلى قرار طرد فلسطينيي غزة من الضفة الغربية، إلى غير ذلك من إجراءات القمع والعربدة التي نشطت خلال الأسابيع الأخيرة، الأمر الذي يعني أن ثمة ألف سبب لغضب القاهرة ومن ثم الاعتذار عن الزيارة وتأجيلها، خصوصا في ظل الظروف الصحية للرئيس مبارك.
وفي هذا الصدد ثمة مفارقة مدهشة ومخزية، خلاصتها أن الرجل امتنع عن الذهاب إلى واشنطن لحضور قمة الأمن النووي قبل ثلاثة أسابيع، بسبب التوتر النسبي الذي عكر صفو علاقات البلدين بسبب رفض نتنياهو الاستجابة لاقتراح الرئيس الأميركي وقف الاستيطان مؤقتا. لكنه لم يجد أن كل ما فعلته حكومته في الأرض المحتلة قد أثار غضب مصر أو أدى إلى توتير العلاقات معها. لذلك فإنه وجد العتاب الأميركي له حائلا دون زيارته إلى واشنطن. في حين ظل واثقا من أن الجرائم التي ارتكبتها حكومته لا تشكل حائلا دون إتمام زيارته للقاهرة (متى تغضب مصر إذن؟!).

الموضوع الأغرب هو ما ذكرته صحيفة «الشرق الأوسط» في 28/4 -نقلا عن وكالات الأنباء- من أن نتنياهو حين اتصل هاتفيا بالرئيس مبارك (في 26/4) فإنه طلب منه التدخل لحث الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالموافقة على استئناف المفاوضات، واضعا في الاعتبار أن لجنة المتابعة العربية قد لا توفر غطاءً عربيا لذلك، كما فعلت قبل شهر، بسبب استمرار الاستيطان والتهويد. وهو ما يعني أن نتنياهو أراد أن يستثمر العلاقة التي تربطه بالرئيس مبارك لكسب تأييد مصر إلى صفه في لجنة المتابعة العربية (حصل)، يحدث ذلك في الوقت الذي يدرك فيه الجميع الآن أن نتنياهو يلعب بكل الأوراق. وأن مسار التسوية السلمية والمفاوضات وصل إلى طريق مسدود، وأن كل ما ترمى إليه إسرائيل من وراء إلحاحها على مواصلة المفاوضات هو كسب الوقت وتوفير غطاء لتنفيذ مخططاتها لابتلاع الأرض وتغيير معالمها الجغرافية.

ليس ذلك أعجب ما في الأمر، لأن الأعجب حقا هو ما ذكرته الصحيفة اللندنية من أن السيد نتنياهو في اتصاله مع الرئيس المصري بحث معه إضافة إلى ما سبق الأوضاع في المنطقة على ضوء المشروع النووي الإيراني، وهي معلومة إذا صحت فستكون لها دلالة أبعد وأخطر بكثير مما نتصوره.

(3)
في كتاب الإحباط والحيرة عناوين أخرى، وتحتل قضية ما سمي خلية حزب الله موقعا متقدما من زاويتين، الأولى أن القضية كانت ضحية الأجواء السلبية التي أحاطت بها. سواء تلك التي تعلقت بالموقف من المقاومة عموما، أو العلاقة مع حزب الله من ناحية ثانية، إضافة إلى التصريحات التي أدلى بها السيد حسن نصر الله وأدت إلى إغضاب القيادة السياسية في مصر، وكان من شأن ذلك إحالة القضية إلى محكمة أمن الدولة العليا طوارئ. وجاءت الأحكام متسمة بدرجة عالية من القسوة، لم تخطر على بال المؤمنين بمشروعية المقاومة، حتى أولئك الذين اعتبروا ما قامت به المجموعة في مصر مقبولا سياسيا وخطأ قانونيا.

صحيح أن هناك رأياً لا يجيز التعليق على الأحكام بينما يجيزه آخرون، ولكن في الحالة التي نحن بصددها فإن ما صدر عن رئيس المحكمة كان بيانا سياسيا أبدى فيه آراءه بخصوص أطراف عدة، من حزب الله إلى موقف مصر من القضية الفلسطينية، وصولا إلى تقدير جهود جهاز مباحث أمن الدولة، في مخالفة صريحة لقانون السلطة القضائية الذي لا يجيز للمحاكم أن تبدي آراء في المسائل السياسية، وأصبح مستقرا في العرف القانوني أن القاضي يمتنع عليه أن يعبر عن أي آراء شخصية فيما يصدره من أحكام. لكن رئيس المحكمة أخذ راحته في قضية خلية حزب الله، بحيث قام بتسييس الحكم، مطمئنا إلى أن القانون لا يجيز الطعن فيه. ومن المفارقات أن رئيس المحكمة ذاته بعد أن أطلق لنفسه العنان في التعبير عن آرائه في القضية، كان أكثر حذرا حين نظر بعدها مباشرة قضية هشام طلعت مصطفى ورفيقه اللذين اتهما بقتل سوزان تميم. 

ذلك أن الدفاع حين سأله عن رأيه في إحدى النقاط، فإنه سارع إلى تنبيهه إلى أن المحكمة ليس لها أن تبدي رأيها، مدركا أنه إذا فعلها فإنه يمتنع عليه إصدار الحكم وعليه أن يتنحى عن نظر القضية. ناهيك عن أنه يعرض الحكم الذي يصدره للطعن على الفور. ولكن لأن القاضي يعي جيدا أن الوضع مختلف في حالة محكمة أمن الدولة العليا طوارئ فإنه قال ما قاله، وأطلق ما شاء من آراء حفل بها منطوق الحكم.

هذا الخطأ الجوهري الذي ارتكبه رئيس المحكمة يجعل حكمه معيبا، ويفتح بابا واسعاً للتعليق على «البيان» الذي أصدره، بقدر ما يؤيد فكرة تسييس القضية مما يجعل مستقبل تنفيذ الأحكام مفتوحا على كل الاحتمالات. وليس معروفا ما إذا كانت فكرة تبادل تنفيذ الأحكام التي تسمح لغير المصريين الذين يدينهم القضاء بقضاء مدة العقوبة في بلدانهم ستطبق في هذه الحالة أم لا. إلا أن ما نعرفه أن ثمة اتفاقا بين مصر ولبنان بهذا الخصوص، وأن مصر سلمت إسرائيل اثنين من الجواسيس هما عزام عزام وصبحي مصراتى لكي يقضيا بقية محكوميتهما هناك، رغم أنه ليس هناك اتفاق بين البلدين على ذلك.

(4)
لا يتخلص المرء من الشعور بالإحباط ولا يكاد يلمح خيوط الأمل إلا حين يتابع ما يحدث في الشارع المصري، ويلحظ جموع المعتصمين على رصيف مجلس الشعب. وهو المشهد الذي يعلن بوضوح أن الناس قد فاض بهم الكيل، وأن شعار «مصر أولاً» كان جعجعة فارغة، احتمى وراءها الذين أرادوا لمصر أن تستقيل من ريادتها وأن تنسحب من دورها وقدرها. لتنكفئ على ذاتها مكتفية بسلامها مع إسرائيل وموالاتها للأمريكان.
في ظل شعار «مصر أولا» أصبح الغضب أشهر كلمة مكتوبة على جدران مصر، ورصد المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية 2026 إضرابا واعتصاما منذ شهر ديسمبر/كانون الأول عام 2006 وحتى شهر أبريل/نيسان الحالي. وبدا أن الشعب المصري يئس من الحكومة والقانون والمجالس النيابية والأحزاب والنقابات والاتحادات، وقررت فئاته أن تأخذ الأمر بيدها، فنظمت الإضرابات والاعتصامات أمام مجلس الشعب وأمام مقر الحكومة، حتى لم يعد يمر يوم دون أن يضرب العاملون الذين تحرك أكثرهم مطالبين بتحسين أوضاعهم الوظيفية، في الوقت الذي كانت فيه العناصر الوطنية تكثف ضغوطها لتحقيق الإصلاح السياسي. وبدا أن السخط قاسم مشترك بين الجميع. السخط غضبا لتردي أوضاعهم الخاطئة، والسخط غضبا لتردي أوضاع البلد العامة.

ومن المبادرات المهمة في هذا السياق أن موظفا بشركة مطاحن جنوب القاهرة والجيزة -اسمه ناجي رشاد عبد السلام- رفع قضية في العام الماضي ضد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير التخطيط، مطالبا فيها بتحسين أجره ورفع الحد الأدنى للأجور لتحقيق التوازن بينها وبين الأسعار. وضرب مثلا بحالته، حيث يشغل وظيفته منذ عام 1988، وعمره 45 سنة، ويتقاضى أجرا أساسيا مقداره 368 جنيها شهريا (حوالي 65 دولارا) ولديه خمسة أطفال إلى جانب زوجته، ويدفع في مسكنه 220 جنيها، الأمر الذي يبقى له 148 جنيها يعول بها أسرته ويلحق أولاده بالمدارس ويوفر لهم الكساء والعلاج، وقد أيدت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة برئاسة المستشار عادل محمود فرغلي حقه في الحصول على الحد الأدنى من الأجر الذي طلبه (1200 جنيه شهريا)، وقبلت دعواه بوقف تنفيذ القرار السلبي للمجلس القومي للأجور بالامتناع عن وضع الحد الأدنى للأجور في عموم البلد.

هذه القضية أيقظت شعور جميع العاملين الذين تنادوا إلى مظاهرة يطالبون فيها برفع أجورهم امتثالا لقضاء مجلس الدولة، ومن ثم انضمت جموع جديدة إلى فئات المتظاهرين الذين اعتصم بعضهم على رصيف مجلس الشعب، وأمضوا هناك عدة أسابيع، حتى إن منهم من لم يغادر الرصيف منذ أكثر من ثمانين يوما (إضراب موظفي الضرائب العقارية استمر ثلاثة أشهر).
لا أحد يعرف كيف سينتهي هذا المشهد، إذ يتوازى مع حراك التغيير الذي يتفاعل بشدة في مصر الآن، لكن الذي أعرفه أن مصر الغاضبة خرجت من القمقم، ومن الصعب إعادتها إليه مرة أخرى، وأن توالي الإحاطات لم يكن عنصرا ميئسا بقدر ما صار محفزاً ومستفزا.