الجمعة، 7 مايو 2010

الحق في المحاكمة العادلة والمنصفة

العدل هو أسمى الحقوق التي تسعى البشرية إلى تحقيقها، ولقد ناضلت كافة الشعوب وما زالت في سبيل تحقيق هذا الهدف السامي من أجل أن تتحقق لكافة الأفراد المساواة التامة في إقامته، وعليه فقد كفل الدستور المصري من خلال نص مادته الثامنة والستين للمواطن المصري الحق في أن يحاكم أمام قاضيه الطبيعي وحظرت في ذات الوقت تحصين أي أعمال أو قرارات إدارية من رقابة القضاء.
وفي ذات السياق تناولت المواثيق الدولية حق الفرد في المحاكمة أمام محكة مستقلة نزيهة، وأن تكون قضاياه محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة منشأة بحكم القانون( ).
هذا وقد شهدت البنية التشريعية ـ مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي ـ العديد من التشريعات الاستثنائية في ظروف مختلفة تعدد بموجبها ـ التشريعات ـ جهات الاختصاص بالفصل في المسألة الواحدة وتضمنت خروجا على القواعد العامة سواء في المسألة الجنائية أو السياسة القضائية.
وعليه فقد تم إنشاء العديد من المحاكم الخاصة؛ الأمر الذي يؤدي إلى اهتزاز مفهوم العدالة والإخلال بميزان العدل بين الناس وإهدار حقهم في اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي.
ولعل من أهم المحاكم الاستثنائية التي شهدتها البنية التشريعية في مصر.



ولعله من المهم أن نلقي الضوء على أبرز تلك المحاكم في صورة موجزة وسريعة دون الخوض في غمار تفاصيلها.
1 - محكمة القيم:
أنشئت تلك المحكمة بالقانون رقم 95 لسنة 1980 بشأن حماية القيم من العيب، وتمثل هذه المحكمة انتهاكا لمبدأ استقلال القضاء؛ حيث تشكل من شخصيات قضائية وشخصيات عامة غير قضائية، وهي شخصيات لا تتمتع بحصانة القضاء ولا استقلاليته (م 27 من القانون)
2 - المدعي العام الاشتراكي:
المدعي العام الاشتراكي هو في حقيقته موظف عام يتبع السلطتين التشريعية والتنفيذية، وله بموجب ذلك اختصاصات إدارية سياسية، وعليه فإن المدعي العام الاشتراكي ليس من أفراد السلطة القضائية، إلا أنه قد خولت له صلاحيات وسلطات اغتصب بها اختصاصات السلطة القضائية على الرغم من تبعيته الواضحة للسلطة التنفيذية، فقد سلب المدعي العام الاشتراكي اختصاصات النيابة العامة (بوصفها فرعا أصيلا من السلطة القضائية) في التحقيق والاتهام والادعاء. ففرض الحراسة لا بد أن يدور في فلك ارتكاب جريمة جنائية الذي هو صميم اختصاص النيابة العامة من تحقيق وادعاء والقضاء الجنائي رقابة وحكما.
3 - محكمة أمن الدولة العليا طوارئ:
وهي المحكمة التي أنشئت بموجب القانون 162 لسنة 1958م بشأن حالة الطوارئ، ولعل أهم ما يؤخذ على هذه المحكمة هي افتقادها لضمانة مهمة من ضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة، وهذه الضمانة هي الحق في الطعن على أحكامها أمام محكمة أعلى, وكذلك ضرورة تصديق رئيس الجمهورية على أحكامها لصيرورته نهائيا قابل للتنفيذ بالمخالفة للعديد من المبادئ القضائية.
4 - المحاكم العسكرية:
وتعد المحاكم العسكرية أقوى صورة من صور انتهاك الحق في المحاكمة العادلة والمنصفة؛ فهي لا تختص بمحاكمة العسكريين فقط أو الجرائم العسكرية، بل امتد سلطان اختصاصها ليشمل المدنيين المرتكبين لبعض الجرائم الواردة بالباب الأول من الكتاب الثاني من قانون العقوبات.
كذلك حرمان المحاكمين أمامها من الطعن على الأحكام الصادرة في شأنهم أمام محكمة أعلى.
وتتابع المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وضعية الحق في المحاكمة العادلة والمنصفة وما يرتبط بذلك من انتهاكات، وفي مقدمتها استمرار المحاكمات الاستثنائية, وقد رصدت المنظمة خلال عام 2003 إحالة (4) قضايا أمام محكمة أمن الدولة "طوارئ"، وتحقيق نيابة أمن الدولة في (29) قضية وإحالة 43 مدنيا للتحقيق أمام النيابة العسكرية، ويمكن بيان هذه الحالات على النحو التالي:
أولاً ـ المحاكمات العسكرية:
تؤكد المنظمة المصرية أن حق المواطن في المحاكمة العادلة أمام القاضي الطبيعي هو أحد أهم الحقوق التي ضمنتها المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وبرغم ذلك فلا يزال هذا الحق الأساسي عرضة للانتهاك بين الحين والآخر من جانب السلطة التنفيذية التي دأبت على أن تعمد إلى ضباط من القوات المسلحة بمحاكمة المواطنين المدنيين بتهم جنائية مؤثمة بقانون العقوبات وغيره من القوانين العادية، مستندة في ذلك إلى نص المادة السادسة من القانون رقم 25 لسنة 1966م بشأن الأحكام العسكرية، وهو قانون سابق على صدور الدستور ومخالف لأحكامه، حيث نصت تلك المادة المعدلة بالقرار بقانون رقم 5 لسنة 1970 علي أن "تسري أحكام هذا القانون على الجرائم المنصوص عليها في البابين الأول والثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات وما يرتبط بها من جرائم والتي تحال إلى القضاء العسكري بقرار من رئيس الجمهورية". ولرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يحيل إلى القضاء العسكري أيًا من الجرائم التي يعاقب عليها قانون العقوبات أو أي قانون آخر". وفي واقع الأمر إن هذا النص ينطوي على إخلال صارخ بأحكام الدستور والمواثيق الدولية؛ حيث إنه حرم المواطن من حقه في أن يحاكم أمام قاضيه الطبيعي، فضلاً عن إخلاله بقاعدة المساواة أمام القضاء، وفرض عليه المثول أمام "محكمة عسكرية" لا تتوفر فيمن يجلسون فيها أي من مواصفات أو ضمانات القاضي الطبيعي, بل إنها لا تعدو إلا أن تكون مجلسًا عسكريًا لا يمت إلى القضاء بأي صلة.
وتدين المنظمة المصرية المحاكمات العسكرية للأسباب التالية:
1. أنها محاكم غير مستقلة بحكم طبيعة تشكليها من ضباط القوات المسلحة، وبوصفها جزءًا من الإدارة العامة؛ ققضاء العسكري إحدى إدارات القيادة للقوات المسلحة، كما أن قضاتها يعنيون لمدة سنتين قابلة للتجديد بقرار من وزير الدفاع، وهو ما يتعارض مع مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل.
2. عدم خضوع الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية لإشراف محكمة عليا تراقب سلامة تطبيقها للقانون، حيث تخضع هذه الأحكام لسلطة التصديق من رئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة أو من يفوضه من ضباط القوات المسلحة.
3. تهدر هذه المحاكم العديد من الضمانات اللازمة للمحاكمة العادلة، مثل إهدار حق المتهمين في إعداد دفاعهم وحرمانهم من الاستعانة بمحاميهم الموكلين، وإهدار حق الدفاع في الإطلاع على ملفات القضايا ومقابلة موكله على انفراد، وعدم الاعتداد بتعرض المتهمين للتعذيب.
قضية جند الله:
شهد عام 2003 إحالة 43 مدنيا إلى النيابة العسكرية في القضية رقم 2 لسنة 2003 جنايات عسكرية المعروفة باسم خلية "جند الله"( )والتي ينتمي أعضاؤها لتنظيم الجهاد المصري الذي يقوده أيمن الظواهري. وقد ألقي القبض على المتهمين بتاريخ 22/10/2002 بتهمة التخطيط لعمليات ضد السفارتين الأمريكية والإسرائيلية في القاهرة، واستهداف منشآت حيوية بهدف الإخلال بالأمن، وإعداد كميات كبيرة من مادة "تي. ان. تي" شديدة الانفجار لاستخدامها في عمليات التخريب، وذلك بعد فشلهم في اختراق الحدود إلى إسرائيل للمشاركة مع المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي.
ويذكر أن آخر قضيتين نظرتهما المحاكم العسكرية هما:
1- القضية رقم 34 لسنة 2001م المعروفة باسم "تنظيم الوعد"، وصدر الحكم فيها بتاريخ 9/9/2002، والتي ضمت 94 متهمًا من بينهم 6 متهمين صدرت أحكام غيابية بحقهم، حيث قضت المحكمة بسجن وحبس 51 متهمًا، في حين برأت 43 آخرين. وقد تراوحت الأحكام بين 15 عامًا أشغال شاقة لـ 3 متهمين، و7 سنوات أشغال شاقة لـ 3 آخرين، والسجن 5 سنوات لـ 13 متهما، والحبس 3 سنوات لـ 24 متهمًا، وسنتين لاثنين من المتهمين. هذا في حين أصدرت المحكمة أحكاما غيابية بالأشغال الشاقة لمدة 3 سنوات بحق 6 متهمين.
2- القضية رقم 29 لسنة 2001 المعروفة باسم "تنظيم الاساتذة" وصدر الحكم فيها بتاريخ 30/7/2002، والمتهم فيها 22 متهما من المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانونًا، حيث قضت بالحبس لمدة 5 سنوات بحق 5 متهمين والحبس لمدة 3 سنوات بحق 11 متهمًا، في حين تم تبرئة 6 من الاتهامات التي وجهت إليهم.
ثانياً ـ محاكم أمن الدولة العليا طوارئ:
كما سبق أن أسلفنا أن القانون رقم 95 لسنة 2003م لم ولن يؤثر على وضعية محاكم أمن الدولة العليا طوارئ, وقد رصدت المنظمة عدة قضايا تم نظرها أمام محاكم أمن الدولة طوارئ هي:
1- قضية حزب التحرير
وهي القضية رقم 454 لسنة 2002م حصر أمن دولة عليا والمتهم فيها 26 متهما من بينهم 3 بريطانيين وواحد هارب.
وقد تم إلقاء القبض عليهم ما بين نهاية شهر مارس وأول إبريل 2002م ثم إحالتهم لمحكمة جنايات القاهرة دائرة أمن الدولة طوارئ بتاريخ 4/8/2002، وقد وجهت لهم الاتهامات الآتية:
- الترويج بالقول والكتابة لأغراض جماعية أسست على خلاف القانون تسمى حزب التحرير.
- الدعوة إلى تعطيل إعمال الدستور ومنع مؤسسات الدولة من تأدية أعمالها.
- الدعوة إلى تكفير نظام الحكم وإباحة الخروج عليه لإسقاطه.
- السعى لإقامة ما يسمى بنظام الخلافة الإسلامية.
وقد تم حجز الدعوى للحكم بتاريخ 25/12/2003، إلا أن المحكمة قد أجلت النطق بالحكم لجلسة 25/3/2004م لتصل فترة التحقيق والمحاكمة لعامين كاملين، والمتهمين رهن الحبس الاحتياطي.

أسماء المتهمين في قضية حزب التحرير المحجوزة للحكم بجلسة 25/3/2004م


يذكر أن السلطات المصرية قررت حظر حزب التحرير الإسلامي عام 1974 إثر وقوع ما يعرف باسم أحداث الكلية العسكرية. وكان الحزب قد تأسس في الأردن في الخمسينيات, وترسخ في أوزبكستان وخصوصا في وادي فرغانا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ثم انتشر في طاجيكستان عام 1998. ويدعو حزب التحرير إلى إقامة دولة إسلامية في آسيا الوسطى، ويضم في صفوفه آلاف العناصر، ويعتبر من الحركات الإسلامية السرية الأكثر نشاطا في هذه المنطقة.
2- قضية تنظيم المطرية (القرآنين): أصدرت محكمة جنح المطرية أمن الدولة "طوارئ" بتاريخ 5/3/2002 حكمها في القضية رقم 6050 لسنة 2001م المعروفة باسم "القرآنين" أو "تنظيم المطرية" بمعاقبة المتهمين الأول والثانى وهما "أمين يوسف علي حسان"، و"علي المندوه عبد المولى" بالحبس لمدة 3 سنوات وباقى المتهمين سنة مع إيقاف التنفيذ. وكانت نيابة أمن الدولة قد قدمت 8 متهمين بينهم سيدة زوجة المتهم الأول طبقا لنص المادة (98 و) من قانون العقوبات بتهمة ازدراء الدين الإسلامي واستغلاله للترويج لأفكار متطرفة, وقد صادق الحاكم العسكري على الحكم بالنسبة للمتهمان الأول والثاني وإعادة محاكمة باقي المتهمين الستة أمام دائرة أخرى. وبتاريخ 1/2/2003م أصدرت محكمة جنح أمن الدولة "طوارئ" بهيئة مغايرة حكمها على المتهمين الستة بالحبس لمدة 6 أشهر مع الشغل والنفاذ.
3- قضية مدعي النبوة (سيد طلبة): كانت نيابة أمن الدولة قد أحالت 21 متهمًا لمحكمة جنح مدينة نصر أمن دولة طوارئ, بتهمة ازدارء الدين الإسلامي، وقد أصدرت المحكمة حكمها بمعاقبة المتهم الأول ويدعى "سيد طلبة" بالحبس مدة 3 سنوات، والمتهمة السادسة بالحبس لمدة 3 سنوات وباقي المتهمين بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ. وقد صادق الحاكم العسكري على الحكم بالنسبة للمتهم الأول وإعادة محاكمة باقي المتهمين أمام دائرة مغايرة, وقد تم إعادة محاكمتهم بتاريخ 17/12/2003( ). وقد تابعت المنظمة المصرية القضية ودفعت بما أكد عليه الدستور من حرية الفكر والاعتقاد وكذلك ما نصت عليه المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
4- الاشتراكيون الثوريون بتاريخ 6/12/2003 بدأت أول جلسات محاكمة المهندس "أشرف إبراهيم محمد" المتهم هو وأربعة آخرون ـ هاربون ـ بالانضمام وتأسيس ما يسمى بتنظيم "الاشتراكيين الثوريين" في القضية رقم 128 لسنة 2003م جنايات أمن دولة طوارئ وقد وجهت لهم نيابة أمن الدولة الاتهامات الآتية.
أولاً : المتهمون من الأول حتى الثالث.
تولوا قيادة جماعة أسست على خلاف أحكام القانون الغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور، ومنع مؤسسات الدولة من ممارسة أعمالها، وإسقاط الحكم وإقامة نظام آخر، كما وجهت للمتهم الأول أيضا تهمة حيازة مطبوعات تتضمن ترويجا وتحبيذا لأغراض الجماعة، وبصفته مصري الجنسية أذاع عمدا في الخارج أخبار كاذبة عن الأوضاع الداخلية بالبلاد من شأنها إضعاف هيبة الدولة واعتبارها بأن تعمد إرسال معلومات كاذبة إلى منظمات أجنبية لحقوق الإنسان على خلاف الحقيقة تتضمن انتهاك حقوق الإنسان بالبلاد، وكان من شأن ذلك إضعاف هيبة الدولة واعتبارها( ).
ثالثاً ـ نيابة أمن الدولة: - قامت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان خلال عام 2003م برصد 29 قضية يتم التحقيق فيها على مدار عام كامل دون إحالة أي متهم إلى المحاكمة، وقد تضمنت تلك القضايا التحقيق مع ما يقرب من 238 متهما ثم توزيعهم على 29 قضية على النحو التالي:



وفي ضوء ما سبق، تطالب المنظمة المصرية بـ:
ضرورة إنهاء إعلان حالة الطوارئ والذي بموجبه سيتم إنهاء عمل محاكم أمن الدولة طوارئ التي تتشكل بأمر من رئيس الجمهورية ووفقا لإعلان الأحكام العرفية في القانون 162 لسنة 1958م وتعديلاته ـ باعتبارها محاكم استثنائية، من حيث أنه لا يجوز الطعن على أحكامها بأي طريق إلا أن يكون لرئيس الجمهورية الحق في إلغاء الأحكام الصادرة منها وإعادة محاكمة المتهمين، وحقه أيضا في إلغاء العقوبة، وعدم اعتبار أحكامها نهائية إلا بعد التصديق عليها منه!! وعليه فأنه يعود الحال إلى القضاء الطبيعي إى إلى ما قبل إعلان حالة الطوارئ التي انشأة قضاءاً استثنائياً لا حاجة إليه ولا يعبر إلا عن المساس بنظام القاضي الطبيعي الذي كفل له الدستور الاستقلالية، كما كفل للمواطن حق المحاكمة أمام القاضي الطبيعي، ويجب أن يتمتع المواطن بكامل حقوقه القانونية في التدرج أمام المحاكم، والطعن على الأحكام بمقتضى القانون.

يتضح مما سبق أن هناك فروقا شاسعة بين محاكم أمن الدولة الدائمه الملغاة ومحاكم أمن الدولة العليا طوارئ الباقية متسلطة على رقاب الشعب، وأهم هذه الفروق قاطبة أن الوزراء والمحافظين والمسئولين البارزين من أعوان النظام الذين يقدم ضدهم الاتهام أحيانا لظروف متفاوتة بالاختلاس أو الاستيلاء على المال العام أو أصحاب القروض الفارين يحاكمون أمام محاكم أمن الدولة العليا العادية فيتمكنون من الطعن على الأحكام والذهاب بقضاياهم إلى محكمة النقض، أما المواطنون وأعضاء التيار الإسلامي فيحاكمون أمام محاكم أمن الدولة العليا طوارئ فلا يتمكنون من الطعن على الأحكام الصادرة ضدهم, ولو صدرت أحكام بالبراءة أحيانا فإنها تلغى وتعاد محاكمتهم أمام دائرة أخرى بناء على أمر الحاكم العسكري.

فإذا كانت الحكومة قد ألغت محاكم أمن الدولة العليا، فإنها تركت قانون الطوارئ الذي بمقتضاه تتم إحالة المدنيين إلى محاكم أمن الدولة "طوارئ" ومحاكم عسكرية بعيداً عن قاضيهم الطبيعي، بالإضافة إلى الأوامر العسكرية التي تتيح محاكمة المدنيين أمام محاكم أمن الدولة والمحاكم العسكرية.

الثلاثاء، 4 مايو 2010

في ظل إدمان الطوارئ ...

ليس مفاجئاً تمديد الطوارئ في مصر لمدة عامين جديدين، لأن «الطوارئ» التي استمرت 27 عاماً أصبحت جزءاً من النمط العادي لسلوك السلطة في مواجهة المجتمع، وهو ما يذكرنا بمشهد نجيب الريحاني الذي قرأ فيه كف أحد الأشخاص، وقال له بعد أن فحص كفه جيداً إن أمامه عشر سنوات من الغم والنكد، فسأله صاحبنا بلهفة: وماذا بعد ذلك؟ فكان رد الريحاني عليه أنه بعد السنوات العشر سيكون قد اعتاد الغم وتعايش معه، وإذا لا حظت أن مدة العمل بالطوارئ بعد التمديد ستصبح ثلاثة أضعاف المدة التي تحدث عنها الريحاني في المشهد الكوميدي الشهير، فإن ذلك سيطمئنك إلي أن الطوارئ لن تزول بعد سنتين، من ناحية لأن الناس سيكونون قد اعتادوا عليها، ومن ناحية ثانية لأن السلطة ستكون قد ادمنتها، ولم تعد قادرة علي الاستمرار بدونها.

قبل أيام قليلة قلت في هذا المكان إن إصدار قانون الإرهاب سيعني أكثر من تغيير الاسم مع الإبقاء علي المضمون، كما هو، ولكنه سيعني أيضاً تأبيد الطوارئ وتحويلها من وضع قانوني استثنائي إلي وضع قانوني طبيعي ممتد إلي ما شاء الله، لكني لم أتوقع أن يقول رئيس الوزراء في دعوته إلي تمديد الطوارئ إن إلغاء العمل بها الآن «تنفيذاً لوعد الرئيس مبارك» قبل الانتهاء من إعداد مشروع قانون الإرهاب من شأنه أن يفتح الباب لوقوع حوادث إرهابية، ذلك أن الحكومة التي تحذر من الحوادث الإرهابية هي التي دأبت علي القول إن البلد مستقر للغاية وإن الطقس السياسي فيه ربيع وجو الاستثمار الأجنبي بديع، ولا داعي للقلق وإثارة أي مواضيع، وهي تخاطب الأجانب بلغة الجذب والاطمئنان، في حين تخاطب المجتمع بلغة التخويف والترويع.

لم يصدق أحد الدكتور نظيف سواء في تخويفه من الإرهاب أو في حديثه عن أن قانون الطوارئ لن يمس الحريات العامة في البلد، ولست أشك في أنه يعلم جيداً أن الطوارئ لم تحل دون وقوع العمليات الإرهابية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كما أنه يعلم جيداً أن قوانين الطوارئ لم تطبق إلا علي المعارضين السياسيين، بل لم تحاول الأجهزة الأمنية أن تقنع المجتمع بأن الطوارئ طبقت علي الذين نهبوا أموال البلد واستولوا علي أراضيه، وتاجروا في السوق السوداء، وسمموا أهاليه، ذلك أن كل هؤلاء عوملوا بمنتهي الرفق والتسامح، وبعضهم جري التصالح معه بعد إجراء التسوية المالية معهم، بل إن صاحب العبّارة الشهيرة التي قتلت 1300 مصري اعتبرت قضيته جنحة وليست جناية، ولاتزال منظورة أمام القضاء المدني، في حين أن المعارضين السياسيين قدموا إلي المحاكم العسكرية واعتبرت معارضتهم جنايات استوجبت إصدار أحكام قاسية بحقهم فضلاً عن مصادرة أموالهم وتشريد أسرهم.

إن استمرار العمل بقوانين الطوارئ لثلاثة عقود تقريباً، ثم إجراء تعديلات دستورية تعزز من إجراءات الطوارئ وتقدم إجراءات أجهزة الأمن علي حكم القانون وتوسع من اختصاصات المحاكم الاستثنائية، ثم استصدار قانون للإرهاب يضمن استمرار الطوارئ، هذه الشواهد تدل علي أمرين، أولهما أن اللعب بالقانون وتطويعه لخدمة السياسة الأمنية وتغطية إجراءاتها القمعية والاستثنائية أصبح إجراء ميسوراً، في ظل الأغلبية التي يتمتع بها الحزب الحاكم في مجلس الشعب، و«التجاوب» الشديد الذي تبديه رئاسة المجلس مع رغبات الحكومة ونزواتها، بحيث أصبح المجلس في هذه الحالة بمثابة الجناح التشريعي لوزارة الداخلية.

الأمر الثاني والأهم أن المشكلة لم تعد في القوانين التي تسعي لتقييد الحريات وقمع المعارضين، وإنما تكمن في موقف النظام من قضية الحرية وإصراره علي إجهاض أي أمل في الإصلاح السياسي، لذلك فإنني أزعم أن المعركة الحقيقية للجماعة الوطنية المصرية ليست ضد قانون الطوارئ أو الإرهاب فقط، ولكنها أكبر من ذلك وأبعد، لأنها أيضاً وبالدرجة الأولي ضد موقف النظام من الحريات العامة التي هي ضحية أمثال تلك القوانين.

مصر بين رسائل الإحباط وإرهاصات الأمل


في حين تحفل نشرة أخبار مصر بإحباطات تجعل الحليم مرتاعا وحيران، فإن المرء لم يعد يجد للأمل أثرا إلا على رصيف مبنى مجلس الشعب.
(1)
لقيت زيارة السيد أحمد أبو الغيط وزير خارجية مصر لبيروت في 24/4 اهتماما غير عادي على الصعيدين السياسي والإعلامي. ليس فقط لأن مصر غابت عن لبنان خلال السنوات الأخيرة. ولكن أيضا لأن الرجل حمل معه رسالة تضامنية دافئة. وقال كلاما لم تعد تألفه الآذان من «الشقيقة الكبرى». ذلك أنه أعلن وقوف مصر إلى جانب سوريا ولبنان إذا ما تعرضتا للعدوان، قائلا إنها في هذه الحالة «لن تقف متفرجة»، ثم إنه حين سئل عما إذا كان يحمل رسالة إلى لبنان من إسرائيل (بعد افتعالها أزمة إرسال سوريا صواريخ سكود إلى حزب الله)، رد قائلا إنه لا ينقل رسائل تحذير إلى دولة عربية شقيقة من دولة العدو، وهو ما أدهش المراقبين وأثار انتباههم، حتى ذكرت وكالات الأنباء أن أبو الغيط استخدم لغة غائبة منذ زمن عن خطاب السياسة الخارجية المصرية.
وعبرت الصحف اللبنانية عن الدهشة بأساليب مختلفة، فقالت صحيفة «الأخبار» إن اللغة التي تحدث بها الرجل كانت «مفاجئة». وكانت صحيفة «السفير» أكثر تفاؤلا ورجحت أن يكون الدافع إلى الزيارة أن مصر تريد معاودة التحرك في المنطقة العربية في مواكبة لحركة المبعوث الأميركي جورج ميتشل. وذهب آخرون في القاهرة إلى أن مصر أرادت أن تسجل موقفا تخفف به من أثر برقية التهنئة التي كان قد بعث بها الرئيس مبارك إلى بيريز قبل أيام قليلة هنأه فيها بذكرى اغتصاب فلسطين.

في مواجهة هذه الآمال التي انتعشت بدا أن إسرائيل أكثر إدراكا لطبيعة وحدود المهمة. لذلك فإنها لم تلق بالا للزيارة وتوقفت عند كلمة واحدة جاءت على لسان السيد أبو الغيط، تلك التي وصف فيها إسرائيل بأنها دولة «عدو». إذ ما إن تناقلت وكالات الأنباء كلامه حتى سارع السفير الإسرائيلي في القاهرة إلى تقديم احتجاج رسمي إلى الخارجية المصرية التي لم تقصر في التصويب وإزالة الالتباس. إذ قيل له إن الوزير كان يشير إلى لبنان الذي لا يزال يعتبر إسرائيل عدوا لأنه لم يوقع اتفاق سلام معها. وفي وقت لاحق قالت مصادر الخارجية الإسرائيلية إنها قبلت ذلك الإيضاح الذي أكده السفير المصري في تل أبيب.

من المفارقات أن صحيفة «يسرائيل هيوم» في تعليقها على كلام السيد أبو الغيط ذكرت (في 26/4) أن المسؤولين الإسرائيليين أعربوا عن أملهم في ألا يتبنى وزير الخارجية المصري ذات المواقف «المعادية» التي بات يطلقها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. وجاءت الإيضاحات لتثبت أن القاهرة مازالت عند حسن ظن الإسرائيليين، وأن كلام الصحف اللبنانية عن اللغة المصرية الجديدة وعن معاودة تحرك القاهرة في العالم العربي حمل الزيارة بأكثر مما تحتمل، وعبر عن مصر التي يتمنونها بأكثر مما قرأ حقائق سياستها المتبعة على الأرض.

(2)
لم تكد فرقعة تصريحات أبو الغيط تهدأ حتى توالت الأخبار حاملة في طياتها المزيد من عناصر الإحباط والحيرة. وكان على رأسها خبر زيارة بنيامين نتنياهو لمصر التي تمت أمس (الاثنين)، وأثارت الدهشة في شكلها ومضمونها. إذ تمت في ظل إصرار الرجل على تهديد سوريا ومواصلة الاستيطان واندفاع حكومته في تهويد القدس والاستيلاء على بيوت الفلسطينيين واقتحام المسجد الأقصى وضم المعالم الإسلامية إلى الآثار اليهودية، إضافة إلى قرار طرد فلسطينيي غزة من الضفة الغربية، إلى غير ذلك من إجراءات القمع والعربدة التي نشطت خلال الأسابيع الأخيرة، الأمر الذي يعني أن ثمة ألف سبب لغضب القاهرة ومن ثم الاعتذار عن الزيارة وتأجيلها، خصوصا في ظل الظروف الصحية للرئيس مبارك.
وفي هذا الصدد ثمة مفارقة مدهشة ومخزية، خلاصتها أن الرجل امتنع عن الذهاب إلى واشنطن لحضور قمة الأمن النووي قبل ثلاثة أسابيع، بسبب التوتر النسبي الذي عكر صفو علاقات البلدين بسبب رفض نتنياهو الاستجابة لاقتراح الرئيس الأميركي وقف الاستيطان مؤقتا. لكنه لم يجد أن كل ما فعلته حكومته في الأرض المحتلة قد أثار غضب مصر أو أدى إلى توتير العلاقات معها. لذلك فإنه وجد العتاب الأميركي له حائلا دون زيارته إلى واشنطن. في حين ظل واثقا من أن الجرائم التي ارتكبتها حكومته لا تشكل حائلا دون إتمام زيارته للقاهرة (متى تغضب مصر إذن؟!).

الموضوع الأغرب هو ما ذكرته صحيفة «الشرق الأوسط» في 28/4 -نقلا عن وكالات الأنباء- من أن نتنياهو حين اتصل هاتفيا بالرئيس مبارك (في 26/4) فإنه طلب منه التدخل لحث الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالموافقة على استئناف المفاوضات، واضعا في الاعتبار أن لجنة المتابعة العربية قد لا توفر غطاءً عربيا لذلك، كما فعلت قبل شهر، بسبب استمرار الاستيطان والتهويد. وهو ما يعني أن نتنياهو أراد أن يستثمر العلاقة التي تربطه بالرئيس مبارك لكسب تأييد مصر إلى صفه في لجنة المتابعة العربية (حصل)، يحدث ذلك في الوقت الذي يدرك فيه الجميع الآن أن نتنياهو يلعب بكل الأوراق. وأن مسار التسوية السلمية والمفاوضات وصل إلى طريق مسدود، وأن كل ما ترمى إليه إسرائيل من وراء إلحاحها على مواصلة المفاوضات هو كسب الوقت وتوفير غطاء لتنفيذ مخططاتها لابتلاع الأرض وتغيير معالمها الجغرافية.

ليس ذلك أعجب ما في الأمر، لأن الأعجب حقا هو ما ذكرته الصحيفة اللندنية من أن السيد نتنياهو في اتصاله مع الرئيس المصري بحث معه إضافة إلى ما سبق الأوضاع في المنطقة على ضوء المشروع النووي الإيراني، وهي معلومة إذا صحت فستكون لها دلالة أبعد وأخطر بكثير مما نتصوره.

(3)
في كتاب الإحباط والحيرة عناوين أخرى، وتحتل قضية ما سمي خلية حزب الله موقعا متقدما من زاويتين، الأولى أن القضية كانت ضحية الأجواء السلبية التي أحاطت بها. سواء تلك التي تعلقت بالموقف من المقاومة عموما، أو العلاقة مع حزب الله من ناحية ثانية، إضافة إلى التصريحات التي أدلى بها السيد حسن نصر الله وأدت إلى إغضاب القيادة السياسية في مصر، وكان من شأن ذلك إحالة القضية إلى محكمة أمن الدولة العليا طوارئ. وجاءت الأحكام متسمة بدرجة عالية من القسوة، لم تخطر على بال المؤمنين بمشروعية المقاومة، حتى أولئك الذين اعتبروا ما قامت به المجموعة في مصر مقبولا سياسيا وخطأ قانونيا.

صحيح أن هناك رأياً لا يجيز التعليق على الأحكام بينما يجيزه آخرون، ولكن في الحالة التي نحن بصددها فإن ما صدر عن رئيس المحكمة كان بيانا سياسيا أبدى فيه آراءه بخصوص أطراف عدة، من حزب الله إلى موقف مصر من القضية الفلسطينية، وصولا إلى تقدير جهود جهاز مباحث أمن الدولة، في مخالفة صريحة لقانون السلطة القضائية الذي لا يجيز للمحاكم أن تبدي آراء في المسائل السياسية، وأصبح مستقرا في العرف القانوني أن القاضي يمتنع عليه أن يعبر عن أي آراء شخصية فيما يصدره من أحكام. لكن رئيس المحكمة أخذ راحته في قضية خلية حزب الله، بحيث قام بتسييس الحكم، مطمئنا إلى أن القانون لا يجيز الطعن فيه. ومن المفارقات أن رئيس المحكمة ذاته بعد أن أطلق لنفسه العنان في التعبير عن آرائه في القضية، كان أكثر حذرا حين نظر بعدها مباشرة قضية هشام طلعت مصطفى ورفيقه اللذين اتهما بقتل سوزان تميم. 

ذلك أن الدفاع حين سأله عن رأيه في إحدى النقاط، فإنه سارع إلى تنبيهه إلى أن المحكمة ليس لها أن تبدي رأيها، مدركا أنه إذا فعلها فإنه يمتنع عليه إصدار الحكم وعليه أن يتنحى عن نظر القضية. ناهيك عن أنه يعرض الحكم الذي يصدره للطعن على الفور. ولكن لأن القاضي يعي جيدا أن الوضع مختلف في حالة محكمة أمن الدولة العليا طوارئ فإنه قال ما قاله، وأطلق ما شاء من آراء حفل بها منطوق الحكم.

هذا الخطأ الجوهري الذي ارتكبه رئيس المحكمة يجعل حكمه معيبا، ويفتح بابا واسعاً للتعليق على «البيان» الذي أصدره، بقدر ما يؤيد فكرة تسييس القضية مما يجعل مستقبل تنفيذ الأحكام مفتوحا على كل الاحتمالات. وليس معروفا ما إذا كانت فكرة تبادل تنفيذ الأحكام التي تسمح لغير المصريين الذين يدينهم القضاء بقضاء مدة العقوبة في بلدانهم ستطبق في هذه الحالة أم لا. إلا أن ما نعرفه أن ثمة اتفاقا بين مصر ولبنان بهذا الخصوص، وأن مصر سلمت إسرائيل اثنين من الجواسيس هما عزام عزام وصبحي مصراتى لكي يقضيا بقية محكوميتهما هناك، رغم أنه ليس هناك اتفاق بين البلدين على ذلك.

(4)
لا يتخلص المرء من الشعور بالإحباط ولا يكاد يلمح خيوط الأمل إلا حين يتابع ما يحدث في الشارع المصري، ويلحظ جموع المعتصمين على رصيف مجلس الشعب. وهو المشهد الذي يعلن بوضوح أن الناس قد فاض بهم الكيل، وأن شعار «مصر أولاً» كان جعجعة فارغة، احتمى وراءها الذين أرادوا لمصر أن تستقيل من ريادتها وأن تنسحب من دورها وقدرها. لتنكفئ على ذاتها مكتفية بسلامها مع إسرائيل وموالاتها للأمريكان.
في ظل شعار «مصر أولا» أصبح الغضب أشهر كلمة مكتوبة على جدران مصر، ورصد المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية 2026 إضرابا واعتصاما منذ شهر ديسمبر/كانون الأول عام 2006 وحتى شهر أبريل/نيسان الحالي. وبدا أن الشعب المصري يئس من الحكومة والقانون والمجالس النيابية والأحزاب والنقابات والاتحادات، وقررت فئاته أن تأخذ الأمر بيدها، فنظمت الإضرابات والاعتصامات أمام مجلس الشعب وأمام مقر الحكومة، حتى لم يعد يمر يوم دون أن يضرب العاملون الذين تحرك أكثرهم مطالبين بتحسين أوضاعهم الوظيفية، في الوقت الذي كانت فيه العناصر الوطنية تكثف ضغوطها لتحقيق الإصلاح السياسي. وبدا أن السخط قاسم مشترك بين الجميع. السخط غضبا لتردي أوضاعهم الخاطئة، والسخط غضبا لتردي أوضاع البلد العامة.

ومن المبادرات المهمة في هذا السياق أن موظفا بشركة مطاحن جنوب القاهرة والجيزة -اسمه ناجي رشاد عبد السلام- رفع قضية في العام الماضي ضد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير التخطيط، مطالبا فيها بتحسين أجره ورفع الحد الأدنى للأجور لتحقيق التوازن بينها وبين الأسعار. وضرب مثلا بحالته، حيث يشغل وظيفته منذ عام 1988، وعمره 45 سنة، ويتقاضى أجرا أساسيا مقداره 368 جنيها شهريا (حوالي 65 دولارا) ولديه خمسة أطفال إلى جانب زوجته، ويدفع في مسكنه 220 جنيها، الأمر الذي يبقى له 148 جنيها يعول بها أسرته ويلحق أولاده بالمدارس ويوفر لهم الكساء والعلاج، وقد أيدت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة برئاسة المستشار عادل محمود فرغلي حقه في الحصول على الحد الأدنى من الأجر الذي طلبه (1200 جنيه شهريا)، وقبلت دعواه بوقف تنفيذ القرار السلبي للمجلس القومي للأجور بالامتناع عن وضع الحد الأدنى للأجور في عموم البلد.

هذه القضية أيقظت شعور جميع العاملين الذين تنادوا إلى مظاهرة يطالبون فيها برفع أجورهم امتثالا لقضاء مجلس الدولة، ومن ثم انضمت جموع جديدة إلى فئات المتظاهرين الذين اعتصم بعضهم على رصيف مجلس الشعب، وأمضوا هناك عدة أسابيع، حتى إن منهم من لم يغادر الرصيف منذ أكثر من ثمانين يوما (إضراب موظفي الضرائب العقارية استمر ثلاثة أشهر).
لا أحد يعرف كيف سينتهي هذا المشهد، إذ يتوازى مع حراك التغيير الذي يتفاعل بشدة في مصر الآن، لكن الذي أعرفه أن مصر الغاضبة خرجت من القمقم، ومن الصعب إعادتها إليه مرة أخرى، وأن توالي الإحاطات لم يكن عنصرا ميئسا بقدر ما صار محفزاً ومستفزا.