السبت، 14 مارس 2009

ســعد لبيب‏:‏ الأستاذ والمعلم...بقلم : فاروق شوشة.

رأيته في اليوم الأول لالتحاقي بالإذاعة في العشرين من أكتوبر عام‏1958,‏ كانت التقاليد الإذاعية تقضي بأن يقابل المذيع الجديد ـ عند تسلمه العمل ـ كبير المذيعين أو المدير العام للتنفيذ‏,‏ ولما كان كلاهما‏(‏ صلاح زكي وحسني الحديدي‏)‏ غير موجود‏,‏ فقد دفعوا بي إلي مكتب الإعلامي الكبير عبدالحميد يونس ـ وكيل الإذاعة في ذلك الوقت ـ وكان بصحبته الأستاذ سعد لبيب مدير البرنامج الثاني للإذاعة‏(‏ البرنامج الثقافي الآن‏),‏ وكان قد مضي عام واحد علي بدء إرساله‏.‏ وأخذ الأستاذ يونس يسألني عن دراساتي واهتماماتي وأسباب اختياري للعمل الإذاعي‏,‏ وإجاباتي تركز علي إذاعة البرنامج الثاني الواجهة المشرفة للعمل الإذاعي الثقافي‏;‏ ولم أعرف وقتها أن الشخص الذي كان يصحبه الأستاذ يونس هو سعد لبيب‏,‏ بالرغم من أنني كنت أتابع البرنامج الأسبوعي مجلة الهواء الذي كان يقدمه هو وصديق عمره فهمي عمر ـ الذي أصبح رئيسا للإذاعة فيما بعد ـ أطال الله عمره‏.‏ وعرفت بعد أيام قليلة أنه طلبني للعمل في البرنامج الثاني‏,‏ فلم يوافق حسني الحديدي الذي أصر علي بقائي في قسم المذيعين‏,‏

وسمح لي بأن أعمل وقتا إضافيا في البرنامج الثاني بعد انتهاء واجباتي في قسم المذيعين‏.‏ هذا العمل الإضافي استمر ـ تطوعيا ـ طيلة خمس سنوات كان البرنامج الثاني خلالها وعلي رأسه سعد لبيب مدرستي الإذاعية الأولي‏,‏ وسعدت بأن أكون تلميذا مباشرا يتلقي التوجيهات الأولي ويتعلم دروسه الأساسية في الكلام والإلقاء وكيفية إجراء الحوار والتعامل مع ضيوف الميكروفون‏,‏ وكيف يكون الإعداد لبرنامج ما‏.‏ كانت إدارة سعد لبيب للعمل الذي اختير له بعد سفره في بعثة إلي الإذاعة البريطانية لدراسة ما يسمي بالبرنامج الثالث فيها المخصص للثقافة ـ إدارة تقوم علي الحزم والمودة معا ـ وكانت أسرة البرنامج الثاني التي تضم صفوة من الإذاعيين تحمل له محبة واحتراما وتقديرا من طراز فريد‏,‏ هذه الصفوة التي تضم سميرة الكيلاني الإذاعية الكبيرة المثقفة‏,‏ وبهاء طاهر ـ الروائي الكبير الآن ـ وفؤاد كامل المترجم وأستاذ الفلسفة‏,‏ ومحمود مرسي المخرج الإذاعي الذي أصبح نجما سينمائيا وتليفزيونيا‏,‏ وسهير الحارتي النحلة الدؤوب المتوهجة بالنشاط والحيوية‏,

وصلاح عز الدين المخرج العائد إلي الوطن بعد أن رفض هو وزميله محمود مرسي العمل في الإذاعة البريطانية عندما حدث الدوان الثلاثي علي مصر‏,‏ وكامل يوسف المخرج الإذاعي الشهير‏,‏ وحكمت عباس مسئولة ا

لبرامج الفنية‏,‏ وعفاف المولد مسئولة البرامج العلمية‏.‏ وكان سعد لبيب المايسترو الرائع الذي يقود كتيبة الحالمين بصنع أول إذاعة ثقافية عربية علي غير مثال‏,‏ حريصا علي أن يلتقي مع الجميع كل صباح لتقييم ما أذيع بالأمس‏.‏ ولم تكد تمضي شهور قليلة حتي كلفني بتقديم الحلقات العربية من برنامج مع الأدباء الذي لا يزال علي خريطة الإذاعة حتي الآن وكان ضيف الحلقة الأولي نجيب محفوظ‏,‏ وكانت المرة الأولي التي يدخل فيها مبني الشريفين لتسجيل البرنامج الذي أصر أن تكون إجاباته فيه مكتوبة‏,‏ الأمر الذي جعل من حوارنا وثيقة حرصت علي نشرها في مجلة الآداب البيروتية عام‏1960,‏ وقد رجع إليها كثير ممن كتبوا عن نجيب محفوظ في ذلك الوقت‏.‏ وحين انتقلت الإذاعية الكبيرة سميرة الكيلاني إلي التليفزيون ـ ضمن الفوج الأول من رواد الإذاعة فوج البناء والتأسيس ـ عبدالحميد يونس وبابا شارو‏(‏ محمد محمود شعبان‏)‏ وسعد لبيب ومحمود مرسي ثم همت مصطفي بعد ذلك ـ كلفني سعد لبيب بتقديم برنامجها مع النقاد الذي كان صوت الحياة النقدية في ذلك الزمان‏.‏ ولم يلبث سعد لبيب أن أصبح دينامو الحيوية والنشاط في عمله الجديد بالتليفزيون سكرتيرا له‏,‏ ومسئولا عن إذاعاته الخ

ارجية‏,‏ وبرامجه الفنية والثقافية‏,‏ قبل أن يصبح مديرا عاما لبرامجه ومسئولا عن وضع الخريطة البرامجية لهذا الجهاز الذي يدين لسعد لبيب بوضع أسس العمل وتقاليده الأولي‏,‏ قبل أن يترهل الوضع‏,‏ وتسيطر فلسفة الكم التي بسببها آثر بابا شارو العودة إلي عمله بالإذاعة احتراما لتاريخه ومواقفه‏,‏ وإيثاره الكيف‏,‏ الأمر الذي لم يعجب كبار المسئولين وقتها‏,‏ الذين كانوا يتعجلون كل شيء قبل أن تنضج الثمار‏,‏ ويتم تدريب الكوادر الفنية‏,‏ ولا تزال فلسفة الكم في الإعلام المصري سببا في كل ظواهره السلبية حتي الآن في الإذاعات والقنوات التليفزيونية التي تزداد تورما وانتفاخا دون أن تحمل جدوي أو فائدة‏.‏ وعندما حدثت هوجة مايو وأضير بسببها عدد من نجوم الإذاعة والتليفزيون كان سعد لبيب واحدا من ضحاياها بعد أن أعطي عصارة قلبه وفكره للإعلام المصري‏.‏ وعلي عكس كل التوقعات كان تحرره من سجن الوظيفة بداية لمرحلة من التألق والازدهار والنجاح المدوي في حياته خبيرا إعلاميا ـ عربيا ودوليا ـ ومؤسسا لمعاهد التدريب في قطر والعراق‏,‏ ومستشارا إعلاميا للعديد من الهيئات والمؤسسات‏,‏ وفي مقدمتها اليونسكو واتحاد الإذاعات العربية‏,‏ وعميدا لأول كلية للإعلام

في أول جامعة خاصة في أكتوبر‏,‏ وأستاذا للإعلام في عديد الجامعات‏,‏ وواضعا للعديد من الدراسات الإعلامية المؤلفة والمترجمة‏.‏وفي غمار هذا التألق الذي استرد به سعد لبيب شبابه وعافيته‏,‏ يسارع الإعلام المصري ـ الذي تنكر له بعض الوقت ـ إلي احتضانه‏,‏ عضوا في مجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون‏,‏ ورئيسا لمهرجان التليفزيون‏,‏ ثم مهرجان الإذاعة والتليفزيون طيلة دوراته الأولي‏:‏ مؤسسا ومنظما وواضعا لمنظومة القيم واللوائح والمعايير‏,‏ وأستاذا في معاهد التدريب‏,‏ ومستشارا رفيعا لرؤساء الاتحاد‏,‏ وهو في خضم هذا كله‏:‏ الإنسان الجميل الرائع الذي يفيض رقة وبشاشة‏,‏ ولا تفارقه الابتسامة‏,‏ والذي لم يكتسب خصومة واحدة طيلة مشواره الطويل‏,‏ حاملا أمانة المسئولية في دأب لا يعرف الكلل ونشاط يتوهج بالحيوية والقدرة علي العطاء‏.‏

برحيل سعد لبيب تغيب عن عالمنا الإنساني والإعلامي نسمة جميلة صافية وروح إنسانية عذبة‏,‏ وخبرة معلم وأستاذ نجح في أن يجعل منها مصنعا للعديد من تلاميذه وأبنائه‏,‏ يربيهم ويتعهدهم ويوجههم‏,‏ هم الآن بعض غرس يديه وثمرة ريادته‏.‏ وياأستاذي ومعلمي وأخي وصديقي نم هانئا‏,‏ سيظل فينا غرسك‏,‏ ويبقي فينا عطرك‏,‏ وستزدهر فينا وبنا أحلامك وأمنياتك‏.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق